آخر تحديث :الأربعاء-08 يوليو 2026-10:06م

الرحيل الصامت .. "بحور المآسي"(19)

الجمعة - 03 يوليو 2026 - الساعة 11:19 ص
حسين سالم السليماني


عاد "سعيد" إلى قريته يجرّ وراءه أذيال الخيبة، مثقلاً بهموم تنوء بحملها الجبال. كان يمشي والذكريات تتقاذفه؛ فكل حجر في هذا الطريق يعرف وقعه، وكل شِعب ومسيل يحفظ صدى صوته وهو يسوق غنمه في مقتبل العمر. عاد وفي صدره غصة من "ثابت"، ذاك الذي أفسد بظلمه طهر القرية، رغم أن سعيداً ارتبط ببيته برباط المصاهرة، فكانت زوجته كأختها الكبرى؛ نبعة من الأخلاق في وسط أجدبته الخصومات.


دخل سعيد بيته مهيض الجناح، فاستقبلته زوجته بلهفة المحب، تحاول جاهدة رتق شروخ قلبه بكلمات المسرة: يا سعيد، لا تبتئس لضياع البقر، فقد وعدني أبي بأربع منهنّ عوضاً عما سُلب، وسنقضي مأرب عمي ونبقى في سعة من رزقنا.. هون عليك يا زوجي.


لم يجد سعيد في الكلمات متسعاً للرد، فالجرح لم يكن في فَقدِ المال، بل في فَقدِ الأمان. قال بصوت متهدج: دعيني الآن يا زوجتي، فقد أكل المسير من عافيتي، وأريد للرأس أن يلامس وسادته لعل الروح تهدأ.

بفطرة المرأة الوفية، قدمت له وسادة حاكتها بيدها ليلة أمس، فدعا لها بالخير والجزاء الأوفى. وما إن انصرفت حتى أسلم وجهه للوسادة، وانفجرت مآقيه بدموع صامتة، كانت تحكي قصة رجل يرى أرض آبائه تضيع من بين يديه.

دموع في الخفاء

فاجأت إحدى بناته المشهد؛ رأت لؤلؤ الدمع على وجنتي أبيها فارتدت خائبة، والهرع يسبق خطاها نحو أمها. قاطعت انشغال أمها بالماشية وهي تشبث بطرف ثوبها: أماه.. إن أبي يبكي في خلوته!

فزعت الأم، وتركت كل ما في يدها، وهرعت إلى حيث يرقد زوجُها. وجدته مولياً وجهه نحو الحائط، وكأن الأرض ضاقت به. وضعت يدها الحانية على كتفه وأدارته نحوها، فصدمها منظر عينيه الغارقتين في الشجن.

سألته بصوت يملؤه الوجل: يا أبا أبنائي، ما عهدتك هكذا! أنت من يضرب بك المثل في الصبر والتقى. لقد دفعنا البقر وقبلنا بالفقر صابرين، فما الذي استجد حتى يهز ركنك الوقور؟


استوى سعيد جالساً، والزفرات تسبق كلماته: يا زوجتي، إنها الأيام التي لا تُطاق. أفكر في هجر هذه الديار، في الرحيل إلى قرية أخوالي، حيث حفظت القرآن طفلاً. يحزّ في نفسي فراق الإخوة، وترك اليتامى والمساكين الذين لا ناصر لهم، ويؤلمني أن أفارق أباك العزيز.. لكن الشيطان قد استوطن في نفوس القوم، ولم يتركوا للسلام موضع قدم.


أطرق برأسه يبكي خفية، فرفعت زوجته رأسه بيديها، والدموع تحفر أخاديدها على وجنتيها أيضاً، لكنها كانت دموع القوة لا الضعف. قالت بنبرة حازمة: لطالما تمنيت هذا الرحيل! أنت يا سعيد تختلف عنهم في معدنك وطهرك، فلماذا ندفع نحن وأبناؤنا ثمن صراعاتهم كل صباح؟ نحن نطلب العيش بسلام، نطلب مكاناً يطلب فيه العلم وتُشرب فيه المياه بعيداً عن كدَرِ الدماء.


أشرقت في وجه سعيد ابتسامة شاحبة، وقال بامتنان:

كنت أخشى ردة فعلك، لكنكِ أثبتِ أنكِ ابنة بارة لرجل عظيم. أنتِ وشقيقتكِ تيجان على رأسي. فليكن هذا الأمر سراً مطوياً حتى عن الأبناء، حتى يحين الموعد.

أجابته في حزم يغلفه الوفاء: سرك في بئر عميقة يا زوجي العزيز.. هيئ حالك، فقد آن لهذا الغريب أن يستريح.

وهكذا، في تلك الليلة، وُلد قرار الرحيل في صمت، بين دموع الوداع وتوق لحياةٍ تُشرق فيها شمس السعادة ولو ليوم واحد.


.....................•...................


وللقصة بقية...