آخر تحديث :الخميس-27 أغسطس 2026-09:24ص

ما أقبح الأدلجة عندما تشوه الناس وتحولهم إلى متواطئين مع القتلة.. اغتيال سالم ربيع علي نموذجًا

الخميس - 02 يوليو 2026 - الساعة 02:17 م
حسين علي باهميل


حسين علي باهميل


ليست أخطر نتائج الأدلجة أنها تجعل الإنسان يختلف مع خصومه، بل إنها تسلبه إنسانيته، وتدفعه إلى تبرير ما لا يمكن تبريره، حتى يصبح القتل بطولة، والإقصاء إنجازًا، والتشفي فضيلة، ويغدو الضحية في نظر أتباع الأيديولوجيا مذنبًا حتى وإن سقط قتيلًا.


عندما تتحول الفكرة إلى عقيدة مغلقة، يصبح الولاء لها مقدمًا على الحقيقة، ويصبح الدفاع عنها أهم من الدفاع عن الإنسان. عندها يفقد العقل قدرته على النقد، ويتحول الفرد إلى مجرد صدى يردد ما تمليه الجماعة، دون أن يسأل: هل ما حدث كان عدلًا أم ظلمًا؟


ومن أكثر المحطات التي تكشف قسوة الأدلجة في التاريخ اليمني ما جرى للرئيس سالم ربيع علي، المعروف بـ”سالمين”. فبعيدًا عن المواقف السياسية المختلفة تجاه تجربته، فإن الطريقة التي انتهت بها حياته وما رافقها من صراع دموي داخل السلطة كشفت كيف يمكن للأدلجة أن تجعل رفاق الأمس يبررون تصفية بعضهم بعضًا، وأن يتحول الخلاف السياسي إلى معركة وجود لا مكان فيها للحوار أو القانون.


لقد كانت تلك المرحلة مليئة بالاستقطاب الحاد، حيث غلب منطق الثورة على منطق الدولة، ومنطق الولاء التنظيمي على مبادئ العدالة. وعندما يحدث ذلك، يصبح التخلص من الخصم أمرًا عاديًا في نظر المؤمنين بالفكرة، بل وربما واجبًا ثوريًا، بينما يُصوَّر الاعتراض على ذلك وكأنه خيانة للمشروع كله.


إن المأساة لا تكمن في وقوع الاغتيال فحسب، بل في أن أجيالًا جاءت بعد ذلك وهي تتعامل مع الحدث بعين الأيديولوجيا لا بعين الضمير. فمنهم من مجّد، ومنهم من برّر، ومنهم من صمت، وكأن دم الإنسان يفقد حرمته إذا اختلف مع توجهات الجماعة.


ولهذا فإن المجتمعات التي لا تواجه تاريخها بشجاعة تظل أسيرة له. فلا يمكن بناء مستقبل مستقر إذا ظل القتل السياسي يُبرَّر، ولا يمكن تأسيس دولة قانون إذا بقيت الاغتيالات تُقدَّم على أنها انتصارات سياسية.


إن مراجعة التاريخ ليست انتقامًا من أحد، وإنما هي إنصاف للحقيقة، واحترام لكرامة الإنسان. فلا أحد فوق النقد، ولا أحد يستحق أن يُقتل خارج إطار العدالة، مهما كانت أخطاؤه أو حجم الخلاف معه.


لقد دفعت اليمن، شمالًا وجنوبًا، ثمن ثقافة الإقصاء لعقود طويلة. وكل تيار مارس الإلغاء بحق خصومه، جاء يوم وجد فيه نفسه ضحية للمنطق ذاته. فالعنف لا ينتهي عند أول ضحية، وإنما يواصل الدوران حتى يلتهم الجميع.


إن الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه من تلك المحطات المؤلمة هو أن الإنسان يجب أن يبقى أغلى من الأيديولوجيا، وأن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لسفك الدماء. فالأفكار تتغير، والتنظيمات تزول، والزعماء يرحلون، أما الدم الذي يُسفك ظلمًا فإنه يبقى شاهدًا على زمن غابت فيه العدالة، وحضرت فيه الأدلجة بكل قبحها.


ما أقبح الأدلجة عندما تجعل الإنسان يصفق للرصاصة لأنها أصابت خصمه، وما أقبحها عندما تحول أصحاب الضمائر إلى مبررين للقتل باسم الثورة أو الحزب أو الوطن. فالأوطان لا تبنى بالمشانق، ولا تستقر بالاغتيالات، وإنما تُبنى بالعدالة، وبالاعتراف بالأخطاء، وبالاحتكام إلى القانون، لا إلى فوهة البندقية.