انطلق "سعيد" يطوي الفيافي بحثاً عن "معين"، يقتفي أثراً غاب في زحام الطرقات، وقلبه يخفق بتوجس لا يهدأ. صادف في دربه فتية من القرى المجاورة، تسلل سؤال مخنوق من بين شفتيه: هل رأيتم في ملامح العابرين وجهاً لمعين؟ .
جاءه الرد كوقع النصال: نعم، رأيناه في سوق الأمس، يسوق خلفه بقراً للبيع .
استحث سعيد خطاه، وسابق الريح والزمن، لعلّه يدرك تلك الأنعام قبل أن تضيع، فيعيدها إلى سطوة "ثابت" اتقاء لشرّ مستطير.
بحلول الغسق، أناخ سعيد رحاله في قرية نائية على جنبات الطريق. كانت بيوت الكرام تفتح أبوابها لعابري السبيل، فدخل داراً للعشاء، والناس حينها يتقاسمون شظف العيش، ولا يشبع من الزاد إلا ذو حظ من أصحاب الأرض والذخيرة.
هناك، وسط صمت المجلس، التقت عينا سعيد بعيني "معين". لكنه لم يكن "معين" الذي يعرفه؛ لقد تبدلت ملامحه، وتدلت على كتفه بندقية صقيلة، وتحزم بنطاق من الرصاص يلمع في العتمة كما تلمع عيون الوحوش. أدرك سعيد في تلك اللحظة أن "العود قد استوى"، وأن البقر قد بيع ليشترى به الموت دفاعاً عن الحياة. سكت الطرفان، وصمتُهما كان أبلغ من أي عتاب، يبتلعان لقمة العشاء بغصة الرحيل والانتظار.
تحت جنح الظلام، وبعد انقضاء الصلاة، انفرد سعيد بابن أخيه في زاوية موحشة، وهمس في أذنه بمرارة: ماذا فعلت يا معين؟ أتأخذ بقر ثابت وتفتح علينا أبواب الجحيم؟ .
أجاب معين بصوت تخنقه العزة والقهر: يا عم، لقد ضاقت الأرض بما رحبت، وحاولت لجم نفسي حتى انقطع اللجام. بعتُ البقر لأشتري الكرامة؛ بعتها لأتسلح بهذا الخنجر وتلك البندقية. أنا اليوم وهبتُ نفسي لانتزاع حقي، فمن شاء فليتبعني بحد السلاح، ومن أراد السلامة فليخلّ سبيلي .
ارتسم القلق على وجه سعيد، وأحس بثقل الكلمات وهو يقول: يا ولدي، لقد سلكت طريقاً لا رجعة فيه. إن (ثابت) لن يرضيه مال ولا حال، وهمه الأول هو أرضنا. إن بقيت هنا، ستأكلك نيران جشعهم وإخوانهم الذين يملكون المال والسلاح .
في تلك الساعة المتأخرة، رُسمت معالم الرحيل القسري. قال سعيد بنبرة مثقلة بالوداع: لا تعد إلى القرية يا معين. سأتدبر أمر رحيل أمك وإخوتك الصغار سراً، وسأترك أنا وأخوتي الأرض لهم، فهي غايتهم، ولتكن أرواحنا فداء لأرواحنا. اذهب أنت إلى السوق، وأرسل خبراً لأخي عمك أحمد العسكري في العاصمة، حذره من العودة، فالغدر يتربص بالجميع.
ومع بزوغ أول خيط للفجر، احتضن العم ابن أخيه في عناق طويل، سالت فيه دموع القهر على تراب الأرض المغصوبة. تفرقت الطرق، وغاب كل منهما في أفق مجهول، يطويان في صدورهما حكاية جرح لم يندمل، وبداية لمأساة جديدة تضاف إلى "بحور المآسي".
...................•..................
وللقصة بقية...