ليست الكارثة الكبرى أن يوجد لصوص في الأوطان، فاللصوص وُجدوا في كل زمان ومكان. لكن الكارثة الحقيقية تبدأ عندما يتحول القانون نفسه إلى أداة بيد الفاسدين، يُستخدم لحماية الناهب، وقمع المظلوم، وتجويع الفقير باسم النظام والدولة.
القانون، في معناه الحقيقي، لم يُخلق ليكون سوطاً على ظهور البسطاء، ولا باباً خلفياً لعبور المتنفذين نحو الثروة والنفوذ. بل وُجد ليحقق العدل، ويحفظ الحقوق، ويمنع القوي من افتراس الضعيف. فإذا فقد هذه الوظيفة، وتحول إلى غطاء للفساد، فإن الدولة تدخل أخطر مراحل الانهيار، حتى وإن بقيت المباني قائمة، والشعارات مرفوعة.
إن أخطر أنواع السرقة ليست تلك التي تتم في الأزقة المظلمة، بل السرقة التي تُرتكب تحت الأضواء، وبالأختام الرسمية، وبأسماء براقة، مثل: «اللوائح»، و«القرارات»، و«الإجراءات القانونية». فهنا لا يُسرق المال فقط، بل تُسرق الثقة، ويُقتل الشعور بالمواطنة، ويشعر الإنسان البسيط أن الوطن لم يعد له، بل أصبح ملكاً لفئة تعرف كيف تلتف على القانون، وتستخدمه لمصلحتها.
ولنا في الواقع مثال حي يراه الناس كل يوم؛ فعندما تُرفع أسعار السلع الأساسية، أو يُحتكر الغاز والدواء، بينما يبقى راتب المواطن ثابتاً أو منعدماً، ثم يخرج بعض المسؤولين لتبرير ذلك بقرارات رسمية، أو «إجراءات تنظيمية»، فإن المشكلة هنا لم تعد مجرد أزمة معيشية، بل أصبحت ظلماً مقنناً. لأن القانون الذي لا يحمي لقمة الفقير، ولا يمنع الاحتكار والعبث بحياة الناس، يفقد قيمته الأخلاقية والإنسانية، مهما كانت صياغته جميلة.
إن الشعوب قد تتحمل الفقر لسنوات، لكنها لا تتحمل الإهانة والظلم إلى الأبد. فالجائع قد يصبر على قلة الطعام، لكنه لا يصبر حين يرى ثروات وطنه تُنهب أمام عينيه، بينما يُطلب منه الصمت باسم الوطنية، أو الخوف، أو القانون.
الدولة العادلة ليست تلك التي تكثر فيها الخطب والشعارات، بل التي يشعر فيها المواطن البسيط أن حقه محفوظ، وأن كرامته مصانة، وأن القانون يقف معه، لا ضده. أما الدولة التي يصبح فيها الفاسد أقوى من العدالة، فإنها تزرع في نفوس الناس اليأس والغضب، وتفتح أبواب الفوضى دون أن تشعر.
ولهذا قال الحكماء قديماً: «العدل أساس الملك». لأن الأوطان لا يحميها السلاح وحده، ولا الإعلام، ولا كثرة القوانين، بل يحميها العدل حين يكون فوق الجميع، لا خادماً لأصحاب النفوذ.