آخر تحديث :الأربعاء-01 يوليو 2026-09:12م

الدوحة وهندسة السلام .. هل تنجح قطر في تفكيك عقدة واشنطن وطهران وبناء بيئة للتسوية؟

الأربعاء - 01 يوليو 2026 - الساعة 06:36 م
محمد خالد الحسيني



لماذا انتقلت المفاوضات إلى الدوحة؟ وهل تمتلك قطر مفاتيح الحل؟

هل تستطيع قطر هندسة سلام مستدام بين واشنطن وطهران؟

إلى أين تقود مفاوضات الدوحة؟ وهل يكفي الحوار لمنع عودة الحرب؟

هل ينجح المقترح العُماني في فتح الطريق أمام تسوية أوسع؟

هل أصبحت الدوحة عاصمة هندسة السلام في المنطقة؟


ما بعد الحرب يبدأ من الدوحة .. لكن هل يكتمل الطريق؟ فقطر بموقفها الراهن تقود وساطة غير تقليدية .. هذه الوساطة، تعكس محاولة الدوحة، تثبيت مشروع يقوم على بناء الثقة لا مجرد نقل الرسائل.


في العلاقات الدولية، تُرى الحروب بالعين المجردة، أما السلام فيُبنى غالباً بعيداً عن الأضواء.


فبين منطق القوة ومنطق التسوية تنشأ مساحة رمادية تتحرك فيها الدبلوماسية بهدوء، محاولة تحويل الصراع إلى تفاهم، والتنافس إلى إدارة للخلاف، والأزمة إلى فرصة.


ومن هذا المنطلق، لا تبدو التحركات التي تشهدها الدوحة مجرد جولة تفاوضية جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، بل محطة مفصلية لاختبار قدرة الدبلوماسية على حماية ما تحقق، ومنع المنطقة من الانزلاق مجدداً إلى دائرة التصعيد.


ما جرى اليوم في الدوحة لا يمكن قراءته بمعزل عن المسار الذي سبقته الوساطة الباكستانية، ولا باعتباره بداية منفصلة عنه، بل يبدو امتداداً لجهد دبلوماسي متكامل انتقل من مرحلة وقف التصعيد إلى مرحلة أكثر تعقيداً، عنوانها تنفيذ التفاهمات ومعالجة الملفات التي بقيت معلقة بعد مذكرة التفاهم.


ولهذا انتقلت المحادثات إلى الدوحة، ليس لأن الأزمة تغيرت، وإنما لأن طبيعتها تغيرت، فالمرحلة الحالية لم تعد تتعلق بوقف المواجهة العسكرية فقط، وإنما بترجمة التفاهمات السياسية إلى ترتيبات تنفيذية تتناول ملفات شديدة الحساسية، مثل الأموال الإيرانية المجمدة، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وآليات تنفيذ الالتزامات المتبادلة، وهي ملفات تحتاج إلى وسيط يحظى بثقة الطرفين ويتمتع بعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.


وهنا يبرز الدور القطري بوصفه جزءاً من عملية أعمق بكثير من مجرد وساطة سياسية تقليدية، فقد عملت الدوحة خلال السنوات الماضية على ترسيخ نموذج مختلف في إدارة النزاعات، يقوم على بناء الثقة عندما يغيب اليقين، وفتح قنوات الحوار عندما تتعثر السياسة، والمحافظة على الحد الأدنى من التواصل عندما تنقطع خطوط الاتصال المباشر.


ولذلك، فإن وصف الدور القطري بأنه هندسة للسلام لا يبدو وصفاً إنشائياً بقدر ما يعكس طبيعة الجهد الدبلوماسي الذي تسعى الدوحة إلى القيام به.


فهي لا تفرض حلولاً على الأطراف، ولا تملك سلطة إلزامها بما يتم الاتفاق عليه، لكنها تستطيع إعادة تشكيل البيئة السياسية التي تجعل التفاهم ممكناً، وتخلق الظروف التي تسمح للأطراف بالانتقال من إدارة الصراع إلى البحث عن تسوية.


وقد أثبتت التجارب السابقة أن نجاح قطر لم يكن قائماً على فرض الإرادة، بل على بناء الثقة، والحفاظ على السرية، وإدارة الحوار بصبر ومرونة، وتوفير مساحة آمنة تسمح لكل طرف بالتراجع عن مواقفه المتشددة دون أن يظهر بمظهر الخاسر.


غير أن السؤال الأهم يبقى: هل تستطيع قطر هذه المرة فك لغز التناقضات بين واشنطن وطهران؟

الإجابة تبدو أكثر تعقيداً من مجرد نعم أو لا، فالدبلوماسية، مهما بلغت كفاءتها، لا تستطيع أن تصنع السلام إذا كانت الأطراف نفسها لا تريده.


لكنها تستطيع أن تمنع انهيار فُرَصَه، وأن تحافظ على مساره مفتوحاً، وأن تقلل مساحة سوء الفهم التي كثيراً ما كانت سبباً في انفجار الأزمات.


وفي هذا السياق، تبدو المؤشرات التي خرجت من اجتماعات الدوحة ذات دلالة سياسية مهمة، فمجرد استمرار الحوار، والحديث عن تفاهمات أولية بشأن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، ومناقشة ملفات كانت حتى وقت قريب تعد من المحرمات السياسية، كلها إشارات توحي بأن باب التفاوض ما زال مفتوحاً، وأن خيار الدبلوماسية لم يغلق بعد.


لكن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تكفي وحدها للحكم على نجاح الاتفاق، فأساس جدية أي اتفاق لا يقاس بحجم ما يُعلن عنه، بل بوجود آلية واضحة لتنفيذه، وجدول زمني محدد، وضمانات سياسية وقانونية تحول دون انهياره عند أول أزمة.


كما أن نجاح أي تفاهم يتطلب وجود مصلحة متبادلة لدى الطرفين في الالتزام به، لأن الاتفاقات التي تقوم على الضغوط وحدها غالباً ما تكون أكثر هشاشة من أن تصمد أمام أول اختبار.


ومن هنا، تبدو قضية الأموال الإيرانية المجمدة أكثر من مجرد ملف مالي، فهي أصبحت اختباراً لمستوى الثقة بين الجانبين.


فطهران تعتبر الإفراج عن هذه الأموال دليلاً عملياً على جدية واشنطن في تنفيذ التزاماتها، بينما ترى الولايات المتحدة أن الإفراج عنها يجب أن يكون جزءاً من مسار أوسع يرتبط بسلوك إيران الإقليمي وتنفيذ بقية بنود التفاهم.


والأمر ذاته ينطبق على مضيق هرمز، الذي يمثل اليوم أحد أكثر الملفات حساسية، فالولايات المتحدة تؤكد أن الملاحة عادت بصورة طبيعية وأن تدفق النفط لم يتأثر خلال الأيام الأخيرة، بينما تصر إيران على أن أمن المضيق ومكانتها فيه جزء من معادلة السيادة والمصالح الوطنية، الأمر الذي يجعل أي تفاهم حوله شديد التعقيد.


وفي هذا الإطار، برز المقترح العُماني باعتباره محاولة للبحث عن أرضية وسط بين المواقف المتباعدة.


فالفكرة تقوم، بحسب ما تم تداوله، على إيجاد آلية مالية أو خدمية مرتبطة بإدارة الملاحة وأمن المضيق، بما يحافظ على انسياب التجارة البحرية، ويخفف من احتمالات التصعيد.


ورغم أن المقترح أثار تحفظات أميركية وأوروبية، خصوصاً فيما يتعلق بعدم المساس بمبدأ حرية الملاحة في الممرات الدولية، فإنه يعكس في الوقت نفسه محاولة للانتقال من منطق الصراع على السيادة إلى منطق إدارة المصالح المشتركة.


ولا يمكن الجزم منذ الآن بمدى نجاح هذا المقترح، لكنه قد يشكل بداية لبناء تفاهمات أوسع إذا جرى تطويره بطريقة تراعي القانون الدولي، وتحفظ مصالح جميع الأطراف، ولا تمنح أي طرف شعوراً بأنه قدم تنازلاً أحادياً.


فالنجاح الحقيقي للمبادرة العُمانية لن يقاس بفرض صيغة نهائية، وإنما بقدرتها على تقليص فجوة الخلاف، وتوفير أرضية مشتركة يمكن البناء عليها في جولات التفاوض اللاحقة.


ومن هنا، تبدو الأدوار القطرية والعُمانية والباكستانية أقرب إلى شبكة دبلوماسية متكاملة منها إلى وساطات متنافسة.


فلكل طرف مساحة يتحرك فيها، ولكل وسيط أدواته وعلاقاته، بينما يبقى الهدف المشترك هو حماية المسار السياسي ومنع انهياره.


وربما لهذا السبب تبدو الدوحة اليوم أكثر من مجرد مكان تستضيف فيه المفاوضات، بل مساحة سياسية تلتقي فيها الإرادات المختلفة، وتحاول من خلالها الأطراف اختبار إمكانات التسوية قبل العودة إلى خيارات أكثر كلفة.


ومع ذلك، ينبغي الحذر من المبالغة في التفاؤل، فما يجري اليوم قد يكون بداية لمرحلة جديدة من الحوار، وقد يكون أيضاً مجرد جولة إضافية في مسار طويل شهد محطات عديدة من التقدم والتراجع.


فالتاريخ القريب للعلاقة الأمريكية الإيرانية يثبت أن كل اتفاق يظل معرضاً للاهتزاز ما لم يتحول إلى التزام عملي يحظى بإرادة سياسية مستدامة.


ويبقى العامل الحاسم هو اقتناع الطرفين بأن كلفة العودة إلى التصعيد أصبحت أعلى من كلفة التفاهم.


فإذا استمرت هذه القناعة، فإن الدوحة قد تنجح في أداء دورها بوصفها مهندسة لبيئة السلام، لا صانعة لسلام مفروض، وقادرة على تقريب الرؤى دون أن تلغي الخلافات، وعلى إدارة التناقضات دون أن تدعي إنهاءها.


وهنا تكمن خصوصية التجربة القطرية؛ فهي لا تقوم على فرض الحلول، وإنما على صناعة الظروف التي تجعل الحلول ممكنة.


وهذه ربما تكون أهم مساهمة يمكن لأي وسيط أن يقدمها في واحدة من أكثر أزمات المنطقة تعقيداً وحساسية.


محمد خالد الحسيني