عدنان زين خواجه
في عالم السياسة وإدارة الأزمات، لا تقاس قوة رجال الدولة بالسنوات التي يقضونها على كراسي الحكم، بل بالقرارات الحاسمة والجريئة التي يتخذونها في اللحظات الحرجة. وبينما تغرق شعوب في أزمات معيشية وخدمية ممتدة، تقدم تجارب دول الجوار نماذج ملهمة تثبت أن الإرادة السياسية قادرة على صنع الفارق في أسابيع معدودة، وهو ما يضع حكوماتنا أمام تساؤلات مشروعة وشعور عارم بالمقارنة الحتمية.
التجربة العراقية: إرادة تقصم ظهر الفساد في شهرين
لم يكد يمضي على استلام رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، دفة السلطة سوى شهرين وبضعة أسابيع، حتى أثبت بالأدلة والتحركات الميدانية أنه رجل دولة بمعايير استثنائية. في فترة وجيزة، نجح في جمع وثائق واستدلالات قادت إلى الإطاحة برموز بارزة في منظومة الفساد، مؤكداً في خطابه الصريح أمام حكومته أنه "لن يهدأ له بال حتى استعادة كافة أموال الشعب المنهوبة"، سواء عبر سلطة القانون أو بالإعادة الطوعية.
ولم تقتصر ثورة "الزيدي" على تجفيف منابع الفساد، بل تزامنت مع رؤية تنموية واضحة تجسدت في إطلاق مرحلة أولى لمشروع استراتيجي يهدف لإعادة إنعاش قطاع الطاقة بقدرة إنتاجية تصل إلى ((24000 ميجاوات)) تنفذ خلال الأشهر القليلة القادمة. هذا الحزم يؤكد أن محاربة الفساد وبناء البنية التحتية مساران لا ينفصلان لإنقاذ الشعوب.
المناطق المحررة في اليمن: تعاقب الحكومات وتعميق المعاناة
في المقابل، يعيش المواطن في المناطق المحررة باليمن واقعاً مريراً أنتجه تعاقب خمس حكومات؛ يرى الكثيرون أنها وقفت في صف مصالحها الضيقة على حساب حياة المواطن البسيط. سنوات مرت دون إنجاز مشروع استراتيجي واحد يعيد ثقة الشارع بالدولة، بل على العكس، تسببت السياسات المترهلة في إيصال المجتمع إلى حافة الجوع والفاقة، وتدمير منظومة الخدمات الأساسية وفي مقدمتها قطاع الكهرباء.
اليوم، تتوجه الأنظار والدعوات نحو دولة رئيس الوزراء، محسن شائع الزنداني، ليحذو حذو التجارب الحازمة، ويبدأ فوراً بوضع حلول جذرية لملف الطاقة عبر مشاريع إنتاجية ذات قدرات عالية تنهي معاناة السنوات العجاف.
الخطوة الأولى للإصلاح: إنهاء العبث المالي المتمثل في اعتماد رواتب بالعملات الأجنبية (الدولار والريال السعودي) للقيادات العليا والمتوسطة والمحظية برعاية "لوبي الفساد" المستشري في مفاصل الجهاز الإداري للدولة.
بين تعقيدات اليمن والعراق: هل يكمن السر في "القرار"؟
يدرك الجميع حجم التحديات التي تواجه رئيس الوزراء اليمني، والقيود التي تفرضها شبكات النفوذ والولاءات المتعددة. لكن الواقع يقول إن العراق ليس أقل تشظياً من اليمن؛ فالعراق يعيش في ظل تعدد الولاءات الخارجية والداخلية، وتركيبة مجتمعية عشائرية وقبلية وإثنية ودينية بالغة التعقيد، ومع ذلك، استطاع "القرار الشجاع" أن يجد طريقه لتفكيك حصون الفساد.
إن كشف ما نُهب من خيرات البلاد وعملتها وأرصدتها، ومواجهة الجهات النافذة—سواء كانت عسكرية أو قبلية أو سياسية—هو المحك الحقيقي لأي رئيس وزراء يمتلك شرعية القرار ويريد الدخول إلى التاريخ من باب إنقاذ وطنه.
الشارع اليمني اليوم لم يعد يملك ترف الانتظار، والأمل يحدوه في أن يرى رئيس وزرائه يرتدي عباءة "الفالح الزيدي" الجديد؛ ليضرب بيد من حديد، ويعيد لأموال "الشعب الغلابة" قيمتها، وللخدمات كرامتها. فهل سنشهد ولادة رجل دولة صاحب قرار حاسم، أم تبتلع الكواليس السياسية ما تبقى من آمال؟