آخر تحديث :الأربعاء-01 يوليو 2026-09:12م

رحيل الشيخ علي سالم بافقير… انطفأت قامة وبقي نورها

الأربعاء - 01 يوليو 2026 - الساعة 06:01 م
عمر الحار


في لحظات الرحيل لا تتشابه الوجوه، ولا تتساوى الأقدار؛ فهناك رجال إذا غابوا لم يتركوا فراغًا فحسب، بل تركوا صدىً يوجع الذاكرة ويوقظ القلوب على معنى الفقد الحقيقي. هكذا يأتي الحديث عن الشيخ علي سالم بافقير، لا بوصفه اسماً يُذكر، بل قامةً كانت تمشي بين الناس فتمنحهم من علمها ووقارها ما يجعل حضورها مدرسة، وغيابها جرحًا مفتوحًا.

رحل الشيخ، لكن الرحيل هنا ليس نهاية حكاية، بل بداية حنينٍ ثقيل إلى زمنٍ كان فيه للكلمة وزن، وللموقف معنى، وللإيمان حضورٌ يلمس الأرواح قبل العقول. من الغربة إلى العلم، ومن الكفاح إلى الدعوة، ومن المسؤولية إلى خدمة الناس، نسج حياةً تشبه الرسالة أكثر مما تشبه العمر العابر… حتى إذا انطفأت القامة، بقي نورها يعلّم كيف لا تموت السيرة وإن غاب صاحبها.

غادر دياره في زمنٍ كانت فيه الرياح عاتية، لا تحمل للمناضلين إلا الشدة الموت أو المنفى، فاختار أن يحفظ دينه وكرامته، ويمضي بعيدًا عن بطشٍ لم يترك له خيارًا إلا الرحيل. وكانت وجهته إلى أرض العروبة والإسلام، المملكة العربية السعودية الشقيقة، فلم تكن الغربة انكسارًا، بل كانت بداية جديدة لصناعة الذات. حيث انكب على طلب العلم، حتى أصبح من أهل الإفادة والتعليم، يشارك في حلقات المسجد الحرام، بين طلاب العلم، مستفيدًا ومفيدًا، جامعًا بين نور العلم ومشقة الكسب الشريف لتأمين لقمة العيش.

لم تكن غربته انقطاعًا عن وطنه، بل كانت امتدادًا أعمق لانتمائه. وحين سنحت له العودة بعد الوحدة المباركة،  عاد مع جموع من اسراب نوارس وكواسر  جنوب اليمن. عودة الروح للجسد، عاد يحمل معه تجربة الغربة، ونضج العلم، وصدق الإيمان بأن الأوطان لا تُنسى مهما طال البعد.

تولى بعد ذلك مسؤولياته مديرًا عامًا لمديرية ميفعة، وهناك لم يكن مجرد إداري في منصب، بل كان رجل إصلاح وبناء، يحمل همّ الناس قبل همّ الموقع. عرفه المجتمع واحدًا من كبار الشخصيات الاجتماعية والوطنية والعلمية في شبوة، فكان قريبًا من الناس، يستمع إليهم، ويشاركهم همومهم، ويسعى لتخفيف معاناتهم قدر استطاعته.

ولعلّ من أبرز ما ميّزه، حضوره العلمي والدعوي، فقد حرص على إحياء الجانب الروحي في المجتمع، في وقتٍ كانت فيه الحاجة ماسّة إلى من يوقظ الضمير ويعيد للنفوس توازنها. كانت محاضراته ودروسه تمتد في أرجاء المحافظة، فتبعث في الشباب روح الالتزام، وتفتح أمامهم أبواب المعرفة الدينية الواعية، بعيدًا عن الغلو أو الجفاء. وأسهم في تأسيس المعاهد العلمية التي احتضنت أعدادًا كبيرة من الشباب، فكانت منارات علمٍ وتربيةٍ، أثمرت وعيًا ومعرفةً وأثرًا باقياً.

ومع ذلك كله، ظل الشيخ علي سالم بافقير وفيًا لموقفه السياسي والفكري، من مناصري الوحدة اليمنية، يراها مشروعًا وطنيًا جامعًا، يفاخر بها في كل محفل، ويؤمن بها حتى آخر لحظات عمره، دون أن يتخلى عن قناعاته أو يبدل مواقفه.

رحل الشيخ، لكن ما تركه ليس ذكرى قابلة للرحيل، بل أثر مدرسةٍ في العلم والدعوة والإدارة والموقف. رحل الجسد، وبقيت القيم، وبقيت سيرة رجلٍ عاش صادقًا مع نفسه، ومع دينه، ومع وطنه، حتى النهاية.

وبهذا المصاب الجلل ارفع احر التعازي لمعالي محافظ شبوة، الشيخ عوض ابن الوزير، ولاخي المرجع القبلي والاستاذ الجامعي الدكتور عبدالله يوسف بافقير، واخي الملحق الثقافي بسفارة بلادنا في لبنان السفير ناصر يوسف، ومراجع شبوة كلها برحيل هذه الهامة، العلمية والاجتماعية والوطنية الشيخ الجليل المغفور له باذن الله علي سالم بافقير، رحمة واسعة عليه، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.