غيب الموت الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي الرجل الذي تسلم دفة الحكم في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ اليمن الحديث رحل هادي بعيداً عن أرض وطنه الممزق بعد سنوات من العزلة في العاصمة السعودية الرياض تاركاً خلفه إرثاً يثير الجدل بين من يراه رئيساً وطنياً حاول إنقاذ بلاده ومن يراه رمزاً لمرحلة انقسام وفشل سياسي لكن الحقيقة التي لا ينكرها إلا جاحد هادي لم يكن رئيس حرب ولم يسع لنهب مقدرات اليمنيين ولا لبناء أمجاده الشخصية على حساب دمائهم كان رجلاً أتى في ظروف استثنائية وواجه مليشيات متمردة وتدخلات إقليمية شرسة وصراعات داخلية أنهكت أي حكم رئيس في أصعب مرحلة تسلم هادي الرئاسة في فبراير 2012 بعد اتفاق نقل السلطة الذي أنهى عقود حكم الرئيس السابق علي عبد الله صالح كانت البلاد على حافة الهاوية تعاني من أزمات اقتصادية خانقة وحراك انفصالي في الجنوب وتمرد حوثي يتصاعد في الشمال ورغم كل شيء حاول الرجل أن يضع اليمن على مسار التوافق الوطني أطلق مشروع الحوار الوطني الذي جمع كل الأطراف السياسية والمكونات الاجتماعية وكان يأمل أن يخرج اليمن بمنظومة حكم جديدة توزع الثروة والسلطة بعدالة لكن الحلم تحطم مع انقلاب مليشيا الحوثي على السلطة في سبتمبر 2014 ثم السيطرة على صنعاء وصولاً إلى قصف القصر الرئاسي هادي الذي وصفه البعض بالضعيف أظهر موقفاً وطنياً نادراً حين رفض الاستسلام وانتقل إلى عدن ثم الرياض وأدار معركة استعادة الدولة على مدار سنوات
الرجل بوصفه الإنساني كان هادي بملامحه الهادئة وصوته الرتيب نموذجاً لرجل دولة من طراز قديم لا يحب الأضواء ولا يبحث عن الزعامة الشعبوية عرف عنه التواضع والنزاهة ولم تلوث يديه أموال النهب أو تجارة الحروب قاد اليمن كرجل عسكري تخرج من أكاديميات عريقة لكنه ظل يميل إلى الحلول السلمية وكان يردد دائماً أن الحرب ليست خياراً بل هي حرب مفروضة على اليمنيين في لحظات الغضب كان يوصف بأنه بطيء القرار أو متردد لكن من عايشوه عن قرب يعرفون أنه كان يزن كل قرار بعناية خوفاً من أن يكون ثمنه دماء يمنية إضافية أخطأ البعض في قراءته ظنوا أن صمته ضعف لكنه كان في حقيقته صبر رجل أدرك مبكراً أن اليمن لا تُحل مشكلاته بين عشية وضحاها ما قدمه لليمن لا يمحى يحق لمن يتحدث اليوم عن إرث هادي أن يقول بكل إنصاف هذا الرجل لم يبع اليمن ولم يفرط في سيادته ولم يرض يوماً بأن تكون اليمن مجرد ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية لقد ورث دولة منهكة وسلطة مهزوزة وجيشاً منقسماً وخزانة خاوية ورغم كل هذا صمد وقاد مرحلة سياسية أسست لمبدأ التداول السلمي للسلطة وهو إنجاز نادر في تاريخ اليمن وكفى به فخراً أنه حين جاءت الحرب لم يهرب إلى جيوب المال أو مصانع القرار في الخارج بل ظل صوتاً معتدلاً يدعو إلى السلام ويرفض أن يكون اليمن تحت سيطرة مليشيا مسلحة بأسلحة إيرانية وداعاً أيها الرئيس رحل عبد ربه منصور هادي لكن اليمن لم ترحل عنه ظل قلبه معلقاً بجبال تعز وحارات صنعاء القديمة وشواطئ عدن مات بعيداً عن أهله وجيرانه الذين طالما احترمهم لكنه دفع ثمناً باهظاً لأنه أراد أن يظل وفياً لوطنه الذي خانه الكثيرون لكنه لم يخنه هو أبداً تعازينا القلبية لأسرته الصغيرة ورفاق دربه ولكل من آمن بطريقته في إدارة المستحيل ولن نقول سوى عرفناك رجلاً حاول وكفى واليمن وحدها ستحكم عليه أو تترحمه رحم الله الرئيس عبد ربه منصور هادي وأسكنه فسيح جناته وألهم أسرته وشعب اليمن الصبر والسلوان
الدكتور/ ماجد عباس ركن إعلام الفرقة الرابعة طوارئ