تُعد حرية الإعلام واستقلاليته من أهم الركائز التي تقوم عليها الدولة الحديثة، فلا يمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية أو حكم رشيد في ظل إعلام خاضع للهيمنة أو التوجيه أو القمع.
فالإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل سلطة رقابية مجتمعية تكشف الفساد، وتنقل هموم المواطنين، وتسهم في تشكيل الوعي العام وصناعة القرار.
غير أن الواقع الإعلامي في اليمن خلال السنوات الأخيرة شهد تراجعاً خطيراً نتيجة الانتهاكات المتكررة التي طالت المؤسسات الإعلامية والصحفيين، إلى جانب قصور تشريعي واضح لم يعد قادراً على مواكبة التحولات السياسية والتقنية التي شهدها العالم.
لقد تعرضت عشرات المؤسسات الإعلامية للإغلاق أو الاقتحام أو المصادرة، كما تم تعطيل قنوات وإذاعات وصحف ومواقع إلكترونية بسبب مواقفها السياسية أو توجهاتها التحريرية. وشهدت البلاد حالات متعددة من احتجاز الصحفيين وملاحقتهم ومحاكمتهم خارج الضمانات القانونية الواجبة، فضلاً عن فرض قيود على النشر والوصول إلى المعلومات، الأمر الذي أضعف البيئة الإعلامية وأفقدها جزءاً كبيراً من استقلاليتها وتنوعها.
كما أن الانقسام السياسي والصراع المسلح أفرزا واقعاً إعلامياً منقسماً بدوره، حيث أصبحت بعض الوسائل الإعلامية تعمل تحت ضغوط مباشرة أو غير مباشرة من قوى سياسية وعسكرية، الأمر الذي أثر على حيادها المهني ورسالتها الأساسية في خدمة الحقيقة والمجتمع.
ويزداد الأمر خطورة عندما نعلم أن التشريعات المنظمة للعمل الإعلامي في اليمن ما تزال تستند في جزء كبير منها إلى نصوص قانونية صدرت في ظروف مختلفة تماماً عن واقع اليوم، ولم تعد قادرة على معالجة قضايا الإعلام الرقمي والمنصات الإلكترونية وحقوق الصحفيين وحماية المؤسسات الإعلامية من التدخلات السياسية والاقتصادية.
إن الإصلاح التشريعي لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة وطنية ملحة تستوجب إصدار منظومة قانونية حديثة تكفل استقلالية وسائل الإعلام، وتحظر إغلاقها أو مصادرتها إلا بأحكام قضائية نهائية، وتضمن حماية الصحفيين من الاعتداءات والضغوط والتهديدات، وتكفل حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات، وتؤسس لهيئة إعلامية مستقلة بعيدة عن الهيمنة السياسية.
كما أن ضمان التعددية الإعلامية يمثل حجر الزاوية في أي إصلاح حقيقي، فتنوع المنابر الإعلامية وتعدد الآراء لا يشكل تهديداً للدولة، بل يعزز الثقة العامة ويمنع احتكار الحقيقة من قبل أي طرف، ويخلق فضاءً عاماً صحياً للحوار والنقد والمساءلة.
إن مستقبل اليمن لا يحتاج إلى إعلام موجه أو خائف، بل إلى إعلام حر ومستقل ومسؤول، تحميه القوانين العادلة وتدعمه المؤسسات الديمقراطية. فكل انتهاك يُرتكب بحق وسيلة إعلامية هو انتهاك لحق المجتمع بأكمله في المعرفة، وكل تأخير في الإصلاح التشريعي هو إطالة لأمد الأزمة وتضييق لمساحة الحرية.
فالدول لا تُبنى بإسكات الأصوات، وإنما تُبنى بإتاحة المجال للحقيقة أن تُقال، وللرأي أن يُناقش، وللإعلام أن يؤدي رسالته بعيداً عن الترهيب والهيمنة والإقصاء.