أتذكر إن لم تخني الذاكرة أن مطار الريان قد تم افتتاحه في العام 1982م، وكان يعد في ذلك الوقت مشروعاً حيوياً كانت البلاد في أمس الحاجة إليه، رغم تواضع المبنى مقارنة بمطارات أخرى.
واستبشر الناس خيراً بمشروع إعادة تأهيله قبل أحداث 2015 بسنوات لكن المشروع لم يكتمل لأسباب لا نعلمها، وتوقفت رحلات الطيران المدني وتحوّل المطار إلى ثكنة عسكرية لقوات إحدى الدول ومقر لقيادتهم المتواجدة هناك وتحوّل إلى معتقلات وسجون سريّة تضرر منها الكثير.
وعانى المواطنون في ساحل حضرموت الأمرين جرّاء إغلاقه، فكانت معاناة الانتقال إلى سيئون للسفر من مطارها تستغرق الساعات الطويلة، وبعد مضي سنوات على ذلك ومع ارتفاع حالة تذمّر المواطنين تم الإعلان أنه سيعاد افتتاحه لاستقبال الرحلات لطيران اليمنية رحلة وحيدة اسبوعياً إلى القاهرة، وبعد فترة رحلة أخرى إلى جدة.
كل ذلك تم بعد تجهيز مبنى صغير بجوار الطريق الرئيسي تتم فيه إجراءات السفر الطويلة والمقرفة للمسافرين، يتم نقلهم بعد ذلك في باص إلى الصالة القديمة ليتنعموا بحرارة الجو والرطوبة قبل الانتقال إلى الطائرة مشياً على الأقدام.
وأما المودّعون والمستقبلون فمكانهم الانتظار على حافة الطريق الإسفلتي قريباً من الصالة الجديدة المستحدثة والتي روّج لها المطبّلون ذوو شرائح الدفع المسبق قبل افتتاحها بأنها على غرار صالة مطار نيروبي على أقل تقدير إن لم تكن كصالات مطار دبي! وعاش الكثير من الواهمين هذا الوهم بكل غباء وروّجوا له عبر وسائل التواصل.
وبعد غزوة الانتقالي نهاية العام الماضي توقفت الحياة كليّاً في حضرموت حتى جاء الفرج في مطلع يناير 2026م، وما هي إلاّ أربع وعشرين ساعة التي حددها الرئيس حتى ردد الواهمون بكل أسى أغنية أبوبكر: (يا دوب مرّت علي أربع وعشرين ساعة).
وتعرّض المطار كغيره لعبث العابثين حتى تم إعادة تأهيله بأسرع وقت ممكن ليعود للخدمة، وعاد ولكنه مازال بالأسلوب الذي فرضه المندوب حينها وبالتالي لم يتغيّر شيء يذكر، وهذا ما شاهدته عندما سافرت عبره يوم السبت الماضي.
ففي يوم الثلاثاء قبل الماضي زرت الأستاذ سالم بن سلمان في منزله بمعية الأستاذ محسن باصرة نائب رئيس مجلس النواب، وفي الطريق أخبرني أنه مسافرٌ إلى جدة، فقلت له أنا حاجز في نفس الرحلة، قال إذن سأرسل لك السائق صباح السبت يأخذك ونمشي سوياً، وقبل وصولنا إلى المطار وقبل دخول الحوش الذي يسبق الصالة الفريدة، أوقفنا العسكري وطلب الجوازات فأعطيناه ثمّ طلب تذاكر السفر فقلنا له التذاكر في الجوال وليس من حقك أن تطلبها، قال إن لم تروني إياها سأقوم بتفتيش كل العفش وسأعطلكم، فسألته من أين أنت؟ قال أنا من عدن، وإن كانت سحنته ولهجته توحي أنه من حواليها، فلما قلت له هذا نائب رئيس مجلس النواب أعاد الجوازات وسمح لنا بالدخول.
وتم إنزال العفش في إحدى العربات ووقف العامل في طابور طويل ودخلنا نحن الصالة ومكثنا فيها أكثر من ساعة ونصف في انتظار دورنا، ورأينا بعض الشخصيات يتم تمريرها سريعاً فلا تخضع للوقوف في الطابور.
وتمّ وضع العفش على سير جهاز التفتيش وتقدمنا خطوات منتظرين ما ستفسر عنه نظرات المراقب في الشاشة، فقال ماذا في الكرتون؟ فقلت ثلاثة جوالين عسل، فقال لا يحق لك سوى جالون واحد، قلت له تحت أي بند من قانون يمنعني من ذلك؟
قال أنا القانون ولن أسمح بمروره، قلت أنت مهمتك مراقبة إن كان هناك في العفش سلاح أو متفجرات أو مخدّرات أو غيرها من الممنوعات أما أن تحدد لي جالونا واحدا فهذا ليس من حقك، وتدخّل أحد الموظفين لإقناعه لكنه ازداد في عتوّه وغليانه ثم تدخل الرجل المحترم وقال اذهب وسآتيك به وانتقلنا للصالة التي يتم فيها وزن العفش واستكمال الإجراءات.
وانتقلنا إلى ختم الجوازات للمغادرة وبعدها الدخول لصالة أخرى وانتقلنا منها عبر باصات مهترئة إلى الصالة الأخيرة القديمة، وهناك مكثنا أكثر من ساعة وليس فيها كراسي كافية للمسافرين لدرجة أن بعضهم جلس على الأرض وذقنا الحر والرطوبة حتى تم فتح الباب وانطلقنا مشياً إلى سلّم الطائرة وتذكرت من قال: في سلّم الطائرة بكيت غصباً بكيت، لكن ليس على فراق المحبين، كما قال، وإنما على الأوضاع المتردية التي تعيشها بلادي.
نحن نعرف أن المسؤولين لا يمرّون بهذه المراحل عند سفرهم ولكن قطعاً رأوها أو جزءا منها قبل المسؤولية فأودُّ تذكيرهم أن هذه العوائق خُففت عنكم بحكم موقعكم الجديد لكن المواطن البسيط مازال يعانيها ويكتوي بنارها، فهل من رحمة لهذا البسيط ليستمتع بخدمات أفضل في مرفق من مرافق بلاده؟ نرجو ذلك.