آخر تحديث :الأحد-12 يوليو 2026-10:44م

علي ناصر محمد.. مشروع نهضة اغتالته الأيديولوجيا وإنسانيةٌ هزمَت النسيان

الأربعاء - 01 يوليو 2026 - الساعة 03:44 م
عوض عميران


​في مسيرة الشعوب والمجتمعات، غالباً ما تصنع الفوارق التاريخية لحظات استثنائية يتصادم فيها خياران: خيار الأيديولوجيا الحالمة أو المتطرفة التي تقتات على الشعارات الصاخبة، وخيار الدولة البراغماتية التي تسعى لتأمين الخبز، المسكن، والكرامة الإنسانية على أرض الواقع. ويمثل تاريخ جنوب اليمن المعاصر نموذجاً صارخاً لهذه الجدلية. وفي هذا السياق، تبرز تجربة الرئيس الأسبق علي ناصر محمد كعلامة فارقة ومحطة استثنائية ألقت بظلالها على مفهوم "الدولة" في الوعي الجمعي الجنوبي واليمني عامة، ليس فقط كقائد سياسي أدار دفة الحكم في مرحلة عاصفة، بل كإنسان استثنائي صاغ بوجوده فلسفة خاصة في القيادة، أساسها نبل المعدن والوفاء الذي لا يزول بزوال الكراسي والمناصب.

​إن هناك سراً في شخصية الرئيس علي ناصر محمد (أبو جمال) قد يغفل عنه كثيرون ممن يقرؤون التاريخ من سطوره الخارجية الجافة؛ فهو لم يكن مجرد رئيس اعتلى السلطة في يوم من الأيام، بل كان إنساناً بكل ما تحمله الكلمة من دلالات وقيم. في شخصيته تجتمع متناقضات جميلة يندر أن تلتقي في رجل واحد: فيه شيء من دفء الأب وحنانه، وحزم القائد وهيبة الزعيم، وبساطة الأخ ولطف الصديق. يجيد بعبقرية فطريّة فن العلاقات الإنسانية؛ فإذا جالسه المناضلون كان قائدهم البارز، وإذا التقى بالشعراء والأدباء بدا وكأنه أستاذهم وملهمهم، تعلوه دائماً مسحة إنسانية آسرة وصدق لا يعرف الزيف.

​الينبوع الأخلاقي الأول: "لم يقل لي يوماً.. لا"

​لا يمكن للمراقب أن يفهم سيكولوجية هذا القائد الناجح ومصدر بركته وقبوله الشعبي الجارف، دون أن يعود إلى النبع الأخلاقي الأول في حياته: برّه الشديد بوالديه. وكثيراً ما كنت أسمع أبي – رحمه الله تعالى – يتحدث بمهابة وفخر عن موقف شخصي كان شاهداً عليه؛ ففي مجلس جمع الرئيس علي ناصر ببعض كبار القادة والمسؤولين، أشار والده الراحل ناصر محمد إليه، وقال والاعتزاز يملأ نبرته:

​"ولدي هذا لم يقل لي يوماً: لا"

​تأملوا هذا الموقف ملياً؛ رئيس دولة يملك بيده مقاليد الأمور ومصائر البلاد، يقف أمام أبيه خافضاً له جناح الذل من الرحمة، ممتثلاً طائعاً لا يعرف كلمة "لا". إن هذا البر العظيم لم يكن مجرد سلوك عائلي عابر، بل كان الدستور الأخلاقي الذي حكم مسيرته السياسية لاحقاً. فالرجل الذي لم يقل لأبيه "لا" إجلالاً وتقديراً، هو ذاته الذي لم يقل لشعبه "لا" عندما تعلّق الأمر بكرامتهم، وحقوقهم، وأمنهم اليومي. ومن هذا الينبوع تحديداً، تدفقت بركة حياته وسيادته، فظل كبيراً في عيون الناس حتى بعد أن غادر بريق السلطة.

​براغماتية الدولة في مواجهة طوباوية الثورة

​لقد عانى الجنوب طويلاً من سيطرة نخب سياسية راديكالية رأت في "الثورة المستمرة" غاية في حد ذاتها. كانت هذه النخب تبيع الوهم للشعب تحت مسميات "التحرر العالمي" ومحاربة "الإمبريالية والرجعية"، بينما كان المواطن البسيط يفتقر لأبسط مقومات الحياة الأساسية من رعاية صحية، وتعليم حديث، وبنية تحتية لائقة.

​وحين تسلم علي ناصر محمد زمام القيادة، أدرك بوعيه السياسي والاجتماعي العميق أن السيادة الحقيقية والنهضة لا تُبنى بالشعارات الفارغة، بل بالاستقرار والتنمية. وتجسد هذا التحول العملي في ركيزتين أساسيتين غيّرتا وجه المنطقة:

​الانفتاح الدبلوماسي العاقل: استطاع الرئيس، بقدرته الفائقة على الإقناع وخطابه الإنساني المتزن، أن يبني جسور الثقة مع دول الجوار والخليج العربي. هذا الاختراق الدبلوماسي الشجاع حوّل الجوار الإقليمي في وعي الدولة من "خصوم مفترضين" إلى شركاء تنمية حقيقيين، تباروا في تقديم الدعم السخي للجنوب في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

​إنهاء مشاريع الفوضى الإقليمية: وضع حدّاً لسياسة تصدير الثورة التي استنزفت مقدرات الدولة والمنطقة؛ فبادر إلى معالجة الملف العماني بمسؤولية وطنية عالية، وأوقف الدعم المسلح للجبهات التخريبية التي زرعت الألغام والتوترات في المناطق الوسطى من اليمن وفي عمق الحدود السعودية. لقد آمن يقيناً بأن استقرار الجار هو الضمانة الأكيدة لاستقرار الدار.

​معركة التنوير: حين تلتقي الدولة بتفاني الأفراد

​لم تكن النهضة في عهد الرئيس علي ناصر محمد مجرد أرقام صماء أو مشاريع جافة، بل كانت حراكاً ملموساً يمس كرامة الإنسان اليمني في أبعد ريف. وتتجلى ذروة هذا المشروع النهضوي في مطلع ثمانينات القرن العشرين من خلال "الحملة الوطنية الشاملة لمحو الأمية".

​لم يكن هذا المشروع برنامجاً تعليمياً تقليدياً، بل كان معركة سيادية وتنويرية كبرى حظيت بتقدير واعتراف دولي واسع، توّج بمنح منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) اليمن الديمقراطي جائزة "نديزدا كروبسكايا" الدولية لمحو الأمية عام 1981، كنموذج ملهم في التعبئة الشعبية والقدرة على إدماج المرأة والريف في عجلة المعرفة.

​لكن هذه القفزة التاريخية والشهادات الدولية لم تكن لتتحقق لولا تضحيات جيلٍ من المخلصين والجنود المجهولين الذين حملوا مشاعل التنوير على الأرض. ومن قلب تلك المرحلة، تبرز الجهود الدؤوبة التي بذلها والدي – رحمه الله – باعتباره أحد الكوادر الميدانيين المكلفين بإدارة الحملة الوطنية لمحو الأمية في مديرية مودية بمحافظة أبين. فقد كان هؤلاء الرجال يواصلون الليل بالنهار، متنقلين وسط ظروف الريف وتضاريسه المعقدة وعبر السفر والترحال المستمر، لإقناع المجتمع وفتح مراكز التعليم والوعي في القرى والوديان البعيدة.

​إن الأوسمة التي مُنحت آنذاك للمتفوقين والمساهمين في إنجاح الحملة – والتي ما زلنا نحتفظ بها ككنز عائلي فخور حتى اليوم – لا تمثل مجرد إرث شخصي، بل هي وثائق تاريخية حية تشهد على مرحلة التقت فيها الإرادة السياسية الصارمة للدولة بالتفاني الإنساني اللامحدود للأفراد، لتظل تلك الحقبة علامة فارقة في تطور المجتمع.

​مأساة العقلية الراديكالية.. فندق عدن و"شيطنة الجمال"

​ولعل أكثر جوانب تلك الحقبة إثارة للدهشة والألم، هي تلك العقلية الضيقة التي حاربت مظاهر المدنية والتحديث؛ تلك العقلية الأيديولوجية المتطرفة التي رأت في بناء معالم حضارية مثل "فندق عدن" عملاً كفرياً يكرس مفاهيم "الإقطاع والبرجوازية" في بلد فقير! لقد غاب عن هؤلاء المتطرفين أن الفقر لا يُعالج بتعميمه على الجميع، وأن بناء الفنادق الراقية هو نافذة البلاد نحو السياحة والاستثمار وربط الوطن بالعالم الخارجي، ورافد أساسي لخلق فرص عمل حقيقية للمواطنين.

​ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجلت القتامة في النظرة القاصرة التي رأت في تزيين جولات وشوارع مدينة عدن بالخضرة والزهور والجمال مجرد "إهدار للماء"! لقد كان هذا يعكس فصاماً نكداً بين الأيديولوجيا المستبدة وجماليات الحياة المدنية؛ إذ أرادوا لعدن – تلك الحاضنة الكونية للتنوع والمدنية – أن تظل مدينة رمادية، باهتة، بلا ملامح، تتناسب مع قتامة وجهامة المشهد الفكري والسياسي الذي كانوا يفرضونه بالحديد والنار.

​إرث الوفاء: الرحيل الذي لم يُغلق الأبواب

​عندما تدور عجلات التاريخ ويغادر القادة مناصبهم، تنكشف المعادن الحقيقية. بالنسبة لعلي ناصر محمد، فإن خروجه من السلطة لم يكن نهاية حضور بل كان بداية لخلوده الإنساني؛ فلم تُغلق في وجهه الأبواب يوماً، ولم ينفضّ عنه الأصدقاء والأصحاب كما يحدث عادة مع رجال السياسة.

​على العكس تماماً، غدا "أبو جمال" محل ترحيب وإجلال أينما حل وارتحل؛ تسابق اليمانيون بمختلف توجهاتهم وتناقضاتهم على صلته ووصاله حباً وتقديراً. شهدت على ذلك الأيام في صنعاء التي احتضنته بودّ واحتفاء بالغ، ثم دمشق التي كانت محطة وفاء وتقدير متبادل، ووصولاً إلى القاهرة التي ما زال اليمنيون والعرب يتقاطرون إليها اليوم بانتظام لزيارته والنهل من نبع حكايته وتجربته، مدفوعين بمشاعر الوفاء الخالص لرجل لم يتغير معدنه ولم تلوثه تقلبات السياسة.

​الخاتمة

​لم يكن الرئيس علي ناصر محمد معصوماً، فالتجارب السياسية الكبرى تحمل دائماً نصيبها من الأخطاء والظروف الاستثنائية المعقدة، لكنه تميز بصفة نادرة وحاسمة: الصدق، الإخلاص، والتجرد لصالح بناء الدولة والارتقاء بالإنسان.

​لقد أثبتت الأيام والسنون أن الشعارات الرنانة لا تطعم جائعاً، وأن الانغلاق لا يحمي الأنظمة، وأن التطرف السياسي ينتهي دائماً بكارثة تلتهم الجميع. وتظل الحقبة الزاهرة لعلي ناصر محمد شاهداً حياً على أن "مشروع النهضة الحقيقي" هو ذلك الذي يترك خلفه مدرسة، مستشفى، مسكناً، ومدينة جميلة تسر الناظرين وتنبض بالحياة والجمال.

​فألف تحية صدق، وإجلال، ووفاء لك أبا جمال... حيثما كنت، وأينما حللت.