تحت ظلال الانكسار، وفي فناء بيت يسكنه اليتم وتؤنسه الدموع، احتجبت شمس السكينة خلف غيوم البطش. تجمهر الناس وسياج أجسادهم يحاول صدّ طغيان "ثابت" الذي أقبل والشرّ يتطاير من عينيه، متوعداً صغاراً لا ذنب لهم سوى أن أخاهم "معين" قد استبدّ به الطيش، فاقتاد بقر ذلك الجبار في ساعة غواية.
انبرى "سعيد"، ذاك الرجل الصالح الذي حمل عبء القبيلة فوق كاهله، يرجو الطاغية بكلمات تقطر أسى: ارفق بصغار لم يترك لهم الدهر غير بؤس الجوع وعراء الفقد، وخُذ بقري منّي أنا، واجعل نصل وعيدك في صدري لا في قلوب هؤلاء الأيتام. وتعالت أصوات الحاضرين في همهمة من التوسل، يحاولون ترويض ذاك الغضب الجامح قبل أن يلتهم براءة الدار.
في الداخل، كانت الأمّ تنطوي على فراخها كطائر كُسر جناحه، يمتزج نشيجها ببكائهم المرّ. فقد غاب الأب "عمر"، وتلاشى معه السند، وبقي "معين" مراهقاً لا يدرك أن فورة دمه قد تورد أهله موارد الهلاك.
بعد ساعات من التهديد الذي كاد أن يقتلع السكينة من جذورها، انصاع "ثابت" لوساطة الرجال، واتفقوا على مجلس للحكم عند هجير الظهر. حضر الجميع، وكان الصمت ثقيلاً يطبق على الأنفاس. ونطق "العقال" بحكم كان كوقع الصاعقة: خمس بقرات تُساق حالاً لرد المظلمة، وثلاث أُخر تُؤجل لستة أشهر كقربان لرد الاعتبار.
كان ثمن "الكرامة الجريحة" باهظاً، دُفع من لحم الفقراء وجوع الأيتام. انقضى المجلس، وعاد "سعيد" إلى داره بخطى وئيدة، تجر خلفها أذيال الخيبة.
هناك، وجد النحيب قد استحال عويلاً؛ فأمه وإخوته وعياله يبكون بقراتهم التي كانت عصب حياتهم ورمق بقائهم. لم يتبقّ في الحظيرة سوى بقرة وحيدة، نذرها "سعيد" لتكون جزءاً من ضريبة الطيش القادمة. جلس الرجل مثقلاً بالهمّ، يرمق الفراغ ويتمتم بأسى: أيّ حماقة ارتكبتها يا معين؟ وأيّ نيران أشعلت في هشيم حياتنا؟.
جاءت أمّ معين تهرع، والدموع تحفر أخاديد الوجع في وجنتيها، تقسم بأغلظ الأيمان أنها لم تكن تعلم من أمر ولدها شيئاً. تنهد سعيد وقال بصوت متهدج: أعلم يا أختاه.. إن جينات التسرع قد ورثها عن أبيه، لكنه أوردنا اليوم منبعاً مرّاً .
استقام "سعيد" واقفاً، ونظرة القلق تطارده: ولكن.. أين توارى معين الآن؟ . لم يجد جواباً سوى الصمت الموحش. خرج الرجل إلى سدفة الليل يبحث عن الشاب الضائع، تاركاً خلفه بيوتاً يقطر سقفها دمعاً، وعوائل لا تملك من أمرها إلا الصبر، في ليل كثرت فيه "بحور المآسي" وتلاطمت فيه أمواج القدر.
...................•..................
وللقصة بقية...