ماجد حسن السحيري
لا يخفى على أحدٍ أن المسؤولية أمانةٌ ثقيلة، ليست تشريفًا ولا وجاهة، بل تكليفٌ وحملٌ عظيم قبل أن تكون مقامًا ورفعةً ومباهاة، وحسابٌ قبل أن تكون صوتًا مسموعًا... فمن حملها حمّل نفسه وزر رعيته، وسيُسأل عن الصغير والكبير، وعن كلمة نطق بها أو سكت عنها، وعن عمل ظلم به ناسًا دون غيرهم، وعن فلسٍ واحدٍ من حق مجتمعٍ مسؤولٍ عنه. فالمسؤول الحقي هو من يدرك أن الكرسي امتحان، وأن المنصب سؤال، وأن التاريخ لا يرحم من باع الأمانة بثمنٍ بخسٍ من متاع الدنيا.
كما أن المسؤول الصادق العادل لا يُقاس بكثرة المؤيدين والمشجعين، ولا بعدد الكُتّاب والمغرّدين والمصفقين، ولا بضجيج مواقع التواصل الاجتماعي أو مجالس المديح التي يعلو فيها الثناء وما إلى ذلك، فله ميزانٌ واحدٌ ثابتٌ لا يتغير بكثرتهم ولا بتبدل الأحوال، وهو أن يكون حاملًا للأمانة والعدل والإنصاف والمساواة كاملة، ولو وقف في وجهه أهل الأرض جميعًا. لأنه يعلم أن الأمانة لا تُجزّأ، وأن الحق لا يُساوم، وأن رضا الله مقدّم على رضا الخلق.
فقد يقدح قادح، أو يضيق صدر آخرين، وقد يكرهه من اعتاد الباطل وفقد المصالح، لأنه كشف الخلل وخالف الأهواء ومسّ مصالح أناسٍ تعوّدوا عليها. ولكن كل ذلك لا ينقص من قدره شيئًا ولا يزحزحه قيد أنملة... فالشمس تظل شمسًا وإن تكاثفت عليها الغيوم لتحجب نورها.
وكذلك، ليس كل من بالغ في مجاملة المسؤول وأظهر له القرب والولاء والمدح صادقًا، فكثيرًا ما يكون ذلك جسرًا لمصلحةٍ خاصة، لا للمواطن ولا للمصلحة العامة ولا للوطن. وليس كل من خالفه في الرأي، أو أرشده إلى الصواب، أو اشتد عليه في النصح خصمًا له، فكم من ناصحٍ أمينٍ قوبل بالإقصاء والجفاء والإهمال، لمجرد أنه أبى أن يجامل على حساب العدل والحقيقة والصواب. وفي المقابل، كم من متملّقٍ كذابٍ مصلحيٍّ نال رضا المسؤول وإعجاب أتباعه حينًا، لأنه كان يردد ما يهون سماعه ويزين لهم الباطل، ثم ما لبث أن سقط وتكشفت حقيقته، فسجّله التاريخ في خانة النسيان، وانفضوا من حوله كما ينفض الغبار.
لذلك أيها المسؤول، كن صاحب مبدأ وهدفٍ ثابتٍ لا تميل مع رياح الأهواء. واجعل غايتك العدل والصدق والأمانة والمساواة خدمةً للناس، لا استحسان الخلق فحسب. ولا تجعل رضا الناس غايتك، فهو غايةٌ لا تُدرك وبحرٌ بلا ساحل، فاليوم يرضون عنك لقرارٍ أو توجهٍ ما ، وغدًا يذمونك عليه... أما رضا الله ورضا ضميرك فهما الغاية العظمى التي تستحق أن تبذل من أجلها كل جهد، ولو خسرت في سبيلها كل شيء.
فلا تبع أمانتك بكلمة مدحٍ عابرة، ولا تشترِ تصفيقًا زائفًا بثمن السكوت عن الظلم والتمييز. فكل ذلك ينتهي، والمناصب تزول، والأشخاص يتغيرون ويمضون، ويبقى الأثر الطيب. ويبقى المسؤول العادل شامخًا، ذا سمعةٍ وقيمةٍ وذكرٍ حسن... فبالعدل لخدمة الناس جميعًا تستقيم الحياة وتقوم مرتكزاتها، وبالمساواة يدخل حب الناس لك، وبالصدق يدوم العز والبقاء، ويعلو قدرك عند الله وعند عباده.