قد يكون من المبكر الجزم بأن المواجهة الأمريكية الإيرانية وضعت اليمن أمام ثلاثة طرق رئيسة تقود جميعها إلى محطة الحل النهائي، غير أن تتابع الأحداث يوحي بأن مساراتها المتوازية تتحرك في آن واحد، رغم اختلاف أدواتها وعناوينها، بينما تبدو في عمقها مرتبطة بهدف سياسي واحد يتمثل في إعادة تشكيل المشهد اليمني وفق معادلات جديدة.
وعادة ما تبدأ معالجة الأزمات المركبة من أطرافها الأكثر قابلية للحركة، قبل الانتقال إلى العقدة الرئيسة التي يصعب الاقتراب منها في المراحل الأولى.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة ما يجري في الجنوب، حيث تبدو التحركات السياسية وكأنها تتجه إلى إعادة ترتيب الخارطة الجنوبية عبر تقليص نفوذ بعض الفاعلين، وإعادة تشكيل موازين القوى، وفتح قنوات للحوار بين مختلف المكونات، بالتزامن مع محاولات إحياء مؤسسات الشرعية ومنحها مساحة أوسع لإدارة المناطق الواقعة تحت نفوذها، دون أن تبلغ بعد مرحلة استعادة مقومات الدولة بصورة كاملة، وهي المرحلة التي تبدو مؤجلة إلى حين نضوج التسوية الشاملة. على ارتباطه الوثيق بالمسار الثاني، المتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على الصمود، باعتبارها الطرف الذي يمكن أن يشكل مظلة لأي تسوية سياسية مقبلة، حتى وإن ظل حضورها حتى الآن محكومًا بتوازنات داخلية وإقليمية معقدة.
ويبقى المسار الثالث هو الأكثر حساسية وتعقيدًا، إذ يتصل بصنعاء، التي استطاعت سلطة الأمر الواقع فيها أن تعزز تماسكها خلال أكثر من عقد من الزمن، الأمر الذي يجعل أي محاولة لإحداث اختراق سياسي أو اجتماعي داخلها مهمة بالغة الصعوبة. ولذلك قد يرى بعض المراقبين أن أي تصدع في البنية الداخلية، سواء جاء عبر خلافات قبلية أو اجتماعية أو سياسية، يمكن أن يمثل مدخلًا لتغيير معادلات المشهد، إذا ما توافرت الظروف التي تسمح بتوظيفه ضمن سياق أوسع.
وفي هذا الإطار، يثار الحديث عن الخلاف مع الشيخ القبلي حمد بن فدغم، وما صاحبه من دعوات قبلية وحشد مجتمعي، بوصفه تطورًا لافتا يستحق المتابعة، لا باعتباره تحولًا حاسمًا، وإنما لأنه قد يكشف عن إمكانية ظهور متغيرات داخل البيئة القبلية المؤثرة في محيط صنعاء. ومع ذلك، فإن الحكم على أهمية هذا التطور يظل مرهونًا بمآلاته العملية، وبمدى قدرته على تجاوز الإطار المحلي إلى تأثير سياسي أوسع.
لقد أثبت التاريخ اليمني أن القبيلة كانت، ولا تزال، عنصرًا حاضرًا في معادلة القوة والاستقرار، فهي قادرة على أن تكون عامل احتواء للأزمات كما قد تتحول إلى أحد مساراتها، بحسب طبيعة اللحظة السياسية وكيفية إدارة التوازنات الداخلية.
ومن هنا، فإن قراءة المشهد اليمني لا ينبغي أن تنطلق من حدث منفرد، وإنما من تفاعل المسارات الثلاثة معًا، لأنها قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة، سواء اتجهت البلاد نحو تسوية سياسية شاملة، أو نحو إعادة إنتاج الأزمة بصيغ جديدة.
"ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تمضي هذه الطرق الثلاث متوازية نحو تسوية واحدة، أم أن كل طريق منها سيقود اليمن إلى معادلة مختلفة؟ ذلك ما ستكشفه تطورات المرحلة المقبلة، التي تبدو الأكثر حساسية منذ سنوات."