ليست المناصب هي التي تصنع القادة، بل قدرتهم على جمع الناس حول فكرة، واحياء الامل في زمن تتراجع فيه الثقة بكل شيء. ومن هذا المنطلق، تكتسب الزيارات المتواصلة للقائد السياسي المهندس احمد الميسري دلالات تتجاوز المجاملات السياسية، إذ تعكس حاجة الجنوب الى مساحات اوسع للحوار، والى شخصيات تمتلك القدرة على مخاطبة الجميع دون استثناء، وتؤمن بأن الاختلاف لا يلغي امكانية التوافق.
عندما يجتمع في مجلس واحد سياسيون من اتجاهات مختلفة، ومستقلون، واكاديميون، ونساء، وشخصيات اجتماعية من مختلف مناطق الجنوب، فإن ذلك ليس حدثاً عابراً، بل مؤشراً على أن المجتمع ما زال يبحث عن نقاط الالتقاء اكثر من نقاط الافتراق. كما يؤكد أن الجنوب لا يزال يزخر بقيادات وشخصيات وطنية تمتلك من الحكمة وسعة الافق ما يؤهلها لفتح ابواب الحوار، وتغليب المصلحة العامة على حساب الانقسامات السياسية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الازمات لا تحل بالاقصاء، وأن الاستقرار الحقيقي لا يصنعه طرف واحد مهما امتلك من قوة، وإنما تصنعه الشراكة والحوار الصادق والإرادة الوطنية الجامعة. ولهذا فإن اي شخصية تفتح ابوابها للجميع، وتنصت لمختلف الآراء، وتؤمن بأن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول الى خصومة دائمة، تصبح ركيزة مهمة في بناء الثقة وترسيخ ثقافة الحوار، وهو الدور الذي يحتاجه الجنوب اليوم اكثر من اي وقت مضى.
ولعل ما يميز الميسري، في نظر الكثيرين، ليس حضوره السياسي فحسب، بل شخصيته المنفتحة، وثقافته، وقدرته على التواصل مع مختلف الاطراف، وتمسكه بالثوابت الوطنية باعتبارها اساساً لأي شراكة سياسية. كما ارتبط اسمه، خلال تجربته في العمل العام، بخطاب يضع المواطن وكرامته وأمنه وتحسين الخدمات في صدارة الاولويات، وهي القضايا التي لا تزال تمثل المعيار الحقيقي للحكم على نجاح اي مسؤول.
وفي زمن طغت فيه الحسابات الشخصية على حساب المشروع الوطني، يبحث الناس عن نماذج يرون فيها قدراً من الصدق والثبات والقدرة على بث الامل. لذلك فإن حضور الميسري مجدداً في المشهد السياسي يعزز فرص الحوار، ولا سيما الحوار الجنوبي-الجنوبي، ويسهم في استعادة لغة السياسة القائمة على التفاهم لا القطيعة، وبناء الجسور لا اقامة المتاريس.
الجنوب اليوم لا يحتاج الى مزيد من الخصومات، بل الى قيادات تمتلك الشجاعة للاستماع قبل الحديث، والقدرة على استيعاب التنوع قبل السعي الى الانتصار عليه. فالمستقبل لا يبنيه المنتصرون على خصومهم، وإنما يبنيه الشركاء في وطن يتسع للجميع.
وإذا كانت الزيارات التي يشهدها مجلس الميسري قد حملت رسالة، فإن ابرز مضامينها أن الناس ما زالت تبحث عن مساحة للحوار، وعن قيادة تقدم الوطن على الحسابات الضيقة. وعندما يجتمع الناس حول فكرة لا حول منصب، فإن ذلك قد يكون بداية الطريق نحو استعادة السياسة بوصفها مسؤولية وطنية، لا مجرد صراع على السلطة، وبداية لاستقرار حقيقي يستحقه الجنوب واليمن عموماً.