آخر تحديث :الثلاثاء-30 يونيو 2026-09:19م

أدوات السلطة في حضرموت.. الفشل بنيوي والسعودية ليست شماعة للإخفاقات

الثلاثاء - 30 يونيو 2026 - الساعة 05:00 م
أ.د. خالد سالم باوزير


فشل الشرعية وأدوات السلطة في حضرموت لا تتحمله المملكة العربية السعودية

كنا نعيش حالة من التفاؤل الكبير بعد خروج قوات الانتقالي من حضرموت، ورغم التدهور الذي كان سائداً في المحافظة والبلاد بشكل عام من قِبل سلطات الأمر الواقع عقب سنوات من سقوط صنعاء بيد جماعة الحوثي.


الأمور تفاقمت بشكل متسارع نحو الأسوأ في هذه الأيام. وتمثل ذلك في غلاء المعيشة، وعدم تناسب الدخل الشهري لموظفي الدولة مع متطلبات الحياة المختلفة، بل حتى مع المتطلبات الأساسية للعيش الكريم.


إن المملكة العربية السعودية قدمت الكثير من الودائع والمساعدات للدولة، ولكنها سرعان ما تتبخر وتُصرف؛ إما كرواتب ونفقات تشغيلية للوفود والبعثات الدبلوماسية والإقامات في الفنادق، أو كمرتبات لـ "جيش الإعاشة" القابع في عواصم البلدان العربية والأجنبية.


وهنا يتساءل المرء: أين إيرادات الدولة من الضرائب، والجمارك، والموانئ، والمنافذ؟ هل تصب في وعاء الدولة المالي، أم تلتهمها هوامير الفساد المنتشرة في محافظات البلاد وغيرها؟ أضف إلى ذلك إيرادات بيع النفط الحالية والغاز من مناطق الإنتاج، بعد توقف التصدير الخارجي إثر استهداف الحوثي لموانئ التصدير.


بعد فبراير 2026م وخروج الانتقالي من تقاسم السلطة في المحافظات المحررة وحضرموت خاصة، كنا نتوقع أن تتحسن الأوضاع، لكن ذلك لم يتم، بل سارت نحو الأسوأ. والسبب في ذلك يعود إلى فشل أدوات الشرعية والسلطة، لا سيما في حضرموت.


نشاهد يومياً قواطر النفط القادمة من الهضبة (بترومسيلة)، بما فيها الشاحنات التي تحمل الديزل والمازوت المكرر، وكذا قواطر "الحثيلي" التي تنقل النفط من مواقع الإنتاج في الخشعة وغيرها إلى مأرب لتكريره، ثم تعود إلى حضرموت لتُباع بأسعار خيالية!


أمام هذا الوضع، لماذا يُحمّل الشعبُ السعوديةَ مسؤولية هذا الإخفاق؟ إن السعودية لن تحل محل مؤسسات الدولة في القيام بعملها التنفيذي، وهي لا تتوانى عن تقديم المساعدات والاستجابة لطلبات الدولة اليمنية والشرعية؛ لكن فهم الشارع للأسف يبدو قاصراً في هذا الجانب.


وربما يعود ذلك أيضاً إلى اعتماد السعودية على الأحزاب اليمنية ورجالاتها في سلطة الأمر الواقع، والذين أثبتت الوقائع أنه ليس لديهم أي هدف لانتشال الأوضاع؛ فإذا كانوا قد فشلوا في تحرير الشمال رغم الدعم الكبير والتدخل العسكري المباشر من دول التحالف حينها، فكيف ينجحون اليوم؟


إن المواطن في حضرموت ينظر اليوم إلى تراخي السلطة المحلية وأدواتها وفشلها، وكأنها بريئة من هذا الإخفاق، في حين أن السلطة تتحمل كامل المسؤولية عما يحدث من تدهور في الخدمات، كالكهرباء وغيرها.


ورغم الدعم السعودي السخي، يعتقد الكثيرون أن هذا الدعم يذهب هباءً منثوراً؛ لأن أدوات السلطة الحالية ليس لها من مهام سوى صرف الأموال، والحصول على الامتيازات، وتضخيم الأرصدة المالية الخاصة، كون المنظومة السلطوية باتت فاسدة بكل ما تعنيه الكلمة.


ومن هذا المنطلق، فإننا نطالب المملكة العربية السعودية بالبحث عن قوى وشخصيات وطنية، أكاديمية وسياسية مستقلة، نظيفة اليد، والاعتماد عليها في تنفيذ رؤيتها وتوجهاتها في حضرموت لتمكين الشراكة الحقيقية؛ فبقايا السلطة الحالية لم تقدم شيئاً طوال عشر سنوات، والوجوه مكررة لا تتقن سوى تبادل الأدوار.


أيها الأشقاء في المملكة:

إن حضرموت تزخر بالكفاءات المستقلة والنظيفة والوطنية، التي تؤمن بالبناء والتطوير ومحاربة الفساد والمفسدين. وربما تجدون ممن هم في السلطة اليوم من يرفعون التقارير المنمقة ويتحدثون بكلام معسول، لكنه في الواقع كلام مغلوط وبعيد كل البعد عن الحقيقة والواقع المعاش.


إن المكونات والأحزاب الموجودة في حضرموت ليست على قلب رجل واحد، بل يطغى عليها منطق "المصالح الذاتية والحزبية المضيقة"، ولهذا تأتي التعيينات مكررة من نوع واحد، بينما يُقصى الشرفاء والكفاءات؛ مما يؤدي إلى تكرار الأخطاء واستمرار الفشل.


والسؤال الجوهري هنا: هل ستغير السعودية من سبل تعاملها مع هذه الأدوات، وتبحث عن بدائل وطنية تخدم حضرموت ودول التحالف لإصلاح الأوضاع؟ وهل ستتجاوز السلبيات والفهم الخاطئ لدى الكثير من الأفراد، والذي تغذيه بعض المكونات لتحميل السعودية مسؤولية تدهور الخدمات؟ إن هذا الاتهام ليس حقيقياً؛ فالمسؤولية الكاملة تقع على عاتق السلطة، والشرعية، والحكومة اليمنية، أما التحالف بقيادة السعودية فهو مساند وداعم لتحقيق حياة كريمة للشعب في حضرموت واليمن عموماً.


ختاماً، إن أرادت السعودية إصلاح الأوضاع في حضرموت، وجعلها في شراكة حقيقية ومستدامة معها، فإن عليها الاعتماد على قوى وطنية جديدة غير مجرّبة، بعيدة عن الفساد، من الشباب المستقل، والأكاديميين أصحاب الخبرات، والقوى القبلية والوطنية المخلصة.


وهذا الأمر لن يتأتى بسرعة، بل يتطلب البحث والتمحيص، لتتحقق أهداف الشراكة الحضرمية مع دول التوحيد، وبما يخدم مصلحة الشعبين الشقيقين: الحضرمي والسعودي.

هذا والله من وراء القصد والسداد.