كان النحيب يملأ المدى، واليأس قد ضرب أطنابه في القلوب، إلا رجلاً واحداً ظلّ شامخاً كالسارية، يرفع كفيه نحو السماء في مناجاة تفيض باليقين. لم تكن يداه مجرد جسد يرتفع، بل كانت روحاً تستسقي الرحمة من أبواب السماء المشرعة. وأمام ذاك المشهد الروحاني، لم يملك الجمع إلا أن ينساقوا خلف فيض إيمانه، فارتفعت الأكفّ وتوحدت الحناجر بالدعاء والتضرع.
لم يغمض للجوع جفن تلك الليلة، لكن الدعوات استجابت؛ فانهمر المطر يغسل جراح الأرض الظمأى، حتى غدت الحقول مرايا تعكس وجه السماء الممتلئة بالخير. ومع تباشير الفجر الأولى، لم ينتظر القوم انبلاج الضوء، بل انطلقوا نحو السوق يسابقون رياح الأمل، والهدف: حبات من الحبوب تُحيي في صدورهم رميم الحياة.
وصلوا إلى السوق، وهناك بدأت فصول مقايضةٍ ظالمة، استغل فيها التجار انكسارهم. أخذوا الحبوب دَيناً على أن يسددوها من حصاد الغد المجهول. لكنه لم يكن قمحاً عادياً، بل كان بقايا مخازن منسية، نخرها السوس، وفاحت منها رائحة العفن، وغمرها طعم المرارة. ومع ذلك، تقاسموها بقلوب راضية مع الأيتام؛ فقد كان الجوع أمَرّ من العلقم، والعدم أقسى من السم.
بعد أسبوع من المعاناة، وصل أخو الأرملة القاطنة في قرية "عمر" يحمل خبراً يقطع نياط القلوب؛ فأخته تصارع الموت في مخاض عسير، والوهن قد نال من جسدها فلم تعد تقوى على دفع الروح إلى الحياة، والسبب.. جوع كافر نهك قواها.
جاء يطلب القليل مما استدانوه، لكن الرد كان وجعاً إضافياً: لقد نفد كل شيء.. .
انبرى رجل من الجمع ليشير بيده نحو بصيص أمل بعيد: هناك، على بعد أربع ساعات من المسير، توجد مزرعة لآل فلان، لا تزال خضراء . لم يتردد الأخ، وانطلق معه صهره، يطويان الفيافي تحت جنح الظلام.
وصلوا إلى المزرعة، وهناك، وبقلوب يرتجف فيها الخوف من "سرقة" أباحها الاضطرار، قطفوا عشر سنابل فقط.. عشر سنابل كانت ثمن الحياة.
عادا مع الفجر، شقّا حبات الذرة فوق جمر الصبر، وأطعموا الأرملة حبات مشوية، وما إن استقر الغذاء في جوفها المنهك حتى استجمعت بقايا قوتها، ومع انتصاف النهار، صرخ الوليد معلناً انتصار الحياة على الموت.
في تلك القرية المنكوبة، لم تكن هناك ولائم للنفاس؛ بل قدموا لها خليطاً من أوراق "الأراك" ونباتات الأرض، واصطادوا لها حمامة برية لتكون وليمة النجاة، بينما جادت النساء بما تبقى من "الدوم" اليابس من موسم خلى.
وبينما كانت القرية تتنفس الصعداء، هبّت ريح مسمومة بخبر هزّ الأركان: "لقد اقتاد 'معين ابن عمر' بقرة 'ثابت'!". ساد الصمت الثقيل، وانقبضت الصدور؛ فالجميع يعلم أن هذا الفعل ليس مجرد سرقة، بل هو نذير شؤم، وشرارة ستحرق ما تبقى من رماد الاستقرار، لتفتح على تلك العائلة أبواب مآسٍ لا يعلم منتهاها إلا الله.
..................•...................
وللقصة بقية...