د. فاروق ثابت
لم تكن الأزمة التي فجرتها قضية "ميرا" مجرد خلاف على احتجاز امرأة أو نزاع على منزل، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لطبيعة العلاقة التي نسجتها جماعة الحوثي مع القبيلة اليمنية خلال سنوات الحرب.
فمنذ سيطرة الجماعة على أجزاء واسعة من اليمن، اتجهت إلى خلخلة موازين القوة التقليدية داخل المجتمع القبلي بما يخدم مشروعها السياسي والعقائدي. فبدلاً من الشراكة مع القبائل، اعتمدت سياسة ممنهجة تقوم على إخضاع مراكز النفوذ القبلي، وتجريد المشائخ من استقلالية قرارهم، وإذلال كثير منهم، وإحلال الولاء للسلالة ومبدأ الولاية محل الولاء للهوية الوطنية والأعراف القبلية. وشهدت مناطق عديدة اختطاف واغتيال مشايخ ووجهاء، ومداهمات للمنازل، ومصادرة للممتلكات، وفرض وساطات قسرية، وممارسات تنتقص من القبيلة والقبائل. ومع مرور الوقت، تراكمت مشاعر الاحتقان والإهانة، حتى لدى قبائل لم تكن في حالة صدام مباشر مع الجماعة.
ولم يقتصر الأمر على الممارسات الميدانية، بل رافق ذلك خطاب سياسي اتسم في مناسبات عدة بنبرة استعلائية تجاه القبائل. وهناك تصريحات موثقة لبعض قيادات الجماعة تضمنت تهديدات مباشرة، من بينها ما نسب إلى المدعو أبو علي الحاكم، على لسان بن فدغم، بأنه توعد بـ"دعس القبائل". كما ظهر الحاكم نفسه في تسجيل مصور، وهو يجلس بين عدد من المشايخ، ويضرب بيده على مخزن بندقية كلاشنكوف صارخا: " والذي ما أعجبه سنناوله من بطونها"، في رسالة حملت دلالات واضحة على التلويح باستخدام القوة ضد من يخالف الجماعة من القبائل. ومثل هذه التصريحات، سواء في مضمونها أو في رمزيتها، هي إهانة صارخة وتعد مساساً بالكرامة الجمعية للقبيلة اليمنية، ناهيك عن سلسلة طويلة من حوادث الاغتيال والاختطاف والإذلال والاستفراد وتفجير المنازل، طالت عدداً من المشائخ والوجاهات الاجتماعية، حتى أولئك الذين وقف بعضهم إلى جانب الجماعة في مراحل مختلفة ودعموها بالمال والسلاح والرجال.
ومن هذا المنطلق، فإن التحشيد القبلي الأخير لا يمكن قراءته باعتباره استجابة لقضية فردية فحسب، بل باعتباره تعبيراً عن تراكمات اجتماعية ونفسية وسياسية امتدت لسنوات. فالقضية أصبحت رمزاً لمعنى أوسع يتعلق بكرامة القبيلة وهيبتها أكثر من ارتباطها بشخص ميرا وحدها.
ولذلك، فإن مجرد اجتماع هذا العدد من القبائل، على اختلاف مناطقها وانتماءاتها، يحمل دلالات مهمة. فهو يشير إلى أن البنية القبلية اليمنية، رغم ما تعرضت له من تفكيك واستنزاف، لا تزال تمتلك القدرة على التعبئة عندما تشعر بأن كرامتها الجماعية أصبحت على المحك. وهذه الرسالة ربما تكون أكثر أهمية من القضية نفسها، لأنها تعكس أن القبيلة لم تُكسر كما كان يُعتقد، وأن قدرتها على الفعل الجماعي ما زالت قائمة متى ما توحدت حول قضية تمس شرفها واعتبارها.
أما بالنسبة لجماعة الحوثي، فإنها تجد نفسها أمام معادلة معقدة. فمن جهة، فإن تقديم تنازلات تحت ضغط قبلي قد يفسر داخل بنيتها السياسية والعسكرية باعتباره تراجعاً يمس الصورة التي سعت إلى ترسيخها عن نفسها كسلطة لا ترضخ للضغوط. ومن جهة أخرى، فإن الانخراط في مواجهة مفتوحة مع قبائل متعددة يحمل كلفة أمنية وسياسية واجتماعية مرتفعة، خصوصاً في ظل تعدد التحديات التي تواجهها.
كيف ينبغي للدولة والرئاسة التعامل مع هذه اللحظة؟
إذا استمرت حالة التماسك القبلي واتسعت، فإنها تمثل فرصة سياسية واجتماعية للدولة أكثر من كونها فرصة عسكرية. فالدول لا تبنى بانتصارات السلاح وحدها، وإنما ببناء التحالفات الاجتماعية التي تمنحها الشرعية والعمق الشعبي.
لكن نجاح الرئاسة في استثمار هذه اللحظة لن يتحقق بمجرد إصدار بيانات تأييد أو التعبير عن التعاطف مع القبائل، بل يتطلب انتقالاً مدروساً من رد الفعل إلى الفعل السياسي المنظم. فالقبائل اليمنية، بحكم تجربتها مع الأنظمة المتعاقبة بشكل عام، ومع نظام الحوثية بشكل خاص، لم تعد تبحث عن خطابات المديح، وإنما عن شريك يحترم مكانتها ويعيد لها الاعتبار ضمن إطار الدولة.
ويبدأ ذلك بأن تتبنى الرئاسة مبادرة وطنية للحوار مع القبائل، لا حول الحرب فقط، بل حول احتياجات مناطقها التنموية والخدمية. فالقبيلة تحتاج إلى طرق، مياه، تعليم، صحة، كهرباء، وفرص عمل، واستيعاب أبنائها في مؤسسات الجيش والأمن على أساس الكفاءة والمواطنة. فعندما تشعر القبائل بأنها شريك في صناعة الحاضر والمستقبل، لا مجرد أداة في المعركة، فإن ولاءها سيتحول تدريجياً من الأشخاص والجماعات إلى مؤسسات الدولة.
كما ينبغي أن تستثمر الدولة هذا التقارب في بناء عقد اجتماعي جديد، يعزز احترام الأعراف القبلية التي لا تتعارض مع القانون، ويؤكد في الوقت نفسه احتكار الدولة للسلاح، وإقامة العدالة، وحماية الحقوق. وبهذا تتحول القبيلة من تحد أمام مشروع الدولة إلى أحد أهم روافد استقرارها.
ومن أهم الخطوات التي يمكن للرئاسة اتخاذها إنشاء مجلس وطني استشاري للقبائل، يضم شخصيات قبلية واجتماعية من مختلف المحافظات الشمالية والشرقية والجنوبية وتهامة، بحيث يتحول إلى مؤسسة دائمة للحوار بين الدولة والمجتمع، ويشارك في احتواء النزاعات، وإسناد جهود المصالحة الوطنية، وتقديم الرأي في السياسات المتعلقة بالمناطق القبلية، بدلاً من إدارة العلاقة عبر وساطات ظرفية ومؤقت وكعادتها فإن القبائل وقياداتها تعتز بمثل هذه الاجراءات ويترك اثرا فيها ويعمق ولائها للدولة في وقت تمر اليمن باسوأ حالاتها بفعل الحرب والفتنة الحوثية.
وفي هذا السياق، فإن توسيع مساحة الثقة بين الدولة والقبائل لا يتحقق عبر خطاب تعبوي عابر، بل عبر مقاربة سياسية ذكية تقوم على تحويل التفاعل اللحظي إلى علاقة مؤسسية مستدامة. فالدولة، إذا أرادت استثمار هذا الظرف، عليها أن تتحرك بمنطق “الاحتواء الإيجابي” الذي يعيد تعريف دور القبيلة داخل مشروع الدولة.
ويبدأ ذلك بفتح قنوات تواصل رسمية ومنتظمة مع القيادات القبلية المؤثرة، بوصفها شركاء في الاستقرار وصناعة القرار المحلي، لا مجرد أطراف ظرفية. كما أن تحويل المطالب القبلية إلى برامج عمل حكومية واضحة في مجالات الخدمات والبنية التحتية يمثل ركيزة أساسية لبناء الثقة، لأن الثقة في السياق اليمني تُبنى على الإنجاز الملموس لا على الخطاب.
وفي الوقت ذاته، تستطيع الدولة توظيف هذا الظرف لإعادة تموضعها كمرجعية عادلة عبر معالجة بعض الملفات العالقة المرتبطة بالنزاعات أو الانتهاكات، بما يعزز صورتها كدولة قانون تتعامل مع الجميع على اساس المواطنة المتساوية. ومع إدماج تدريجي للقبائل في الهياكل الاستشارية المحلية والوطنية، تتحول العلاقة من علاقة طارئة إلى علاقة مؤسسية طويلة الأمد.
أما اقتصادياً وتنموياً، فإن أفضل رسالة يمكن أن تقدمها الدولة للقبائل هي ربط حضورها بالخدمات لا بالشعارات؛ من خلال إعادة إعمار المناطق المتضررة، وتحسين البنية التحتية، ودعم التعليم والصحة، وتعويض المتضررين، وإعطاء الأولوية للمناطق التي ظلت مهمشة لعقود. فالمواطن يقيس صدق الدولة بما تقدمه له، لا بما تعلنه في بياناتها.
وفي المجال الإعلامي، تستطيع الحكومة أن تتبنى خطاباً وطنياً يعيد الاعتبار للقبيلة بوصفها مكوناً اجتماعياً أصيلاً أسهم عبر التاريخ في الدفاع عن الجمهورية ووحدة اليمن، مع التأكيد أن الدولة الحديثة لا تلغي القبيلة، وإنما تنظم دورها داخل إطار الدستور والقانون، مع فتح مسار مهني وقانوني لتوثيق الانتهاكات التي تعرض لها المشائخ والوجهاء وافراد القبائل من قبل المليشيا الحوثية وإبرازها عبر المنصات الوطنية والحقوقية.
ويجب ألا تنظر الدولة إلى هذا التحشيد باعتباره فرصة لإضعاف الحوثيين فحسب، بل باعتباره فرصة لإعادة تعريف علاقتها بالمجتمع اليمني. فالقبائل التي خرجت دفاعاً عن الكرامة يمكن أن تتحول إلى الحاضنة الاجتماعية الأقوى للدولة إذا شعرت بأنها شريك لا أداة، وأن كرامتها محمية واحتياجاتها ملباة.
نجاح هذه الرؤية سيؤدي إلى إعادة رسم موازين القوى في اليمن تدريجياً، لأن قوة الحوثيين لا تعتمد على السلاح وحده، بل على تفكيك الخصوم وعزل الدولة عن حواضنها الاجتماعية. وإذا استعادت الرئاسة ثقة القبائل، فإنها تستعيد أهم عمق اجتماعي للدولة اليمنية، بما يغيّر ميزان القوة سياسياً واجتماعياً قبل أن يغيره عسكرياً.
وبذلك، لن يكون التحشيد القبلي مجرد رد فعل، بل بداية لإعادة بناء فكرة الدولة نفسها باعتبارها المظلة الجامعة لكل المكونات، لا طرفاً في الحرب. وإذا أحسنت القيادة قراءة هذه اللحظة، فقد تتحول إلى نقطة تحول في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع اليمني بعد سنوات من التآكل والانقسام.