آخر تحديث :الثلاثاء-30 يونيو 2026-09:22م

من المليشيات إلى المجالس.. هل يتكرر الخطأ؟

الثلاثاء - 30 يونيو 2026 - الساعة 10:49 ص
حسين البهام


بقلم: حسين البهام


إن استبدال أدوات السلطة المحلية بأدوات مشبوهة من خارج قانونها المنظم للعمل المؤسسي ليس مجرد هفوة، بل هو خرق سافر وفاضح للقانون. وحين يأتي هذا الطعن في خاصرة العمل المؤسسي من هرم السلطة المحلية ذاتها، فإن الأمر لم يعد يحتمل الصمت، بل يتطلب منا اليوم، وقبل فوات الأوان، الوقوف بحزم وقوة في وجه هذه التصرفات الرعناء والحمقاء، حتى لا ننحدر مجددًا إلى ذات المستنقع الذي غرقنا فيه بعد عام 2015. حينها، جرى الاعتماد على تشكيلات مسلحة خارج إطار القوات النظامية تحت مبرر "الضرورة المؤقتة"، فماذا كانت النتيجة؟ تحولت إلى مراكز نفوذ وتسونامي من الفوضى المستقلة التي ارتدت لتصدم وتضرب الشرعية التي أنشأتها في مقتل.


واليوم، وبكل استهتار، يُعاد إنتاج المنطق الكارثي ذاته، ولكن بعباءة مدنية وإدارية هذه المرة. إذ يتسابق بعض المحافظين، في مشهد مخزٍ، إلى تفريخ ما يسمى "مجالس تنسيقية" أو "مجالس إسناد" تتجاوز وتدهس الهياكل القانونية للسلطة المحلية، متدثرين بحجج واهية وسخيفة كـ "تسريع الأداء" أو "سد الفراغ". إن الحقيقة العارية وراء هذه الكيانات المشوهة هي اختيار أعضائها على أساس الولاء الشخصي الأعمى والمحاصصة السياسية المقيتة، ومنحها صلاحيات مشبوهة تتداخل مع اختصاصات المؤسسات الرسمية، مما يهدد بشكل مباشر بتحويلها إلى سلطة موازية خبيثة تلتهم ما تبقى من هيبة الدولة الضعيفة أصلاً.


أمام هذا العبث الممنهج، يبرز السؤال الجوهري، والمشروع، والملح: أين مجلس القيادة الرئاسي من هذه التجاوزات الصارخة؟ وكيف يلوذ بالصمت المخزي أمام قرارات لبعض المحافظين تتعارض جملة وتفصيلًا مع قانون السلطة المحلية النافذ؟ إن هذا الصمت المريب من القيادة العليا ليس مجرد تقاعس، بل هو تواطؤ يمنح شرعية ضمنية لتفتيت العمل المؤسسي، ويحول المحافظات إلى "إقطاعيات إدارية" خاصة وسجون قانونية تُدار برغبات ونزوات أشخاص لا بنصوص القوانين.


إن علاج تعثر السلطة المحلية لا يمكن أن يكون أبدًا بإنشاء "كنتونات" إدارية بديلة وممسوخة، بل بإصلاح المنظومة القائمة وتطهيرها وتمكينها. فالدول المحترمة تُبنى عبر استدامة مؤسساتها وقوة قوانينها، لا عبر كيانات كرتونية مؤقتة تتحول مع الزمن إلى غول ومراكز نفوذ جديدة تنهش في جسد الوطن. إن لم يتم إيقاف هذا العبث فورًا، فإننا نسير بوعي أو بدون وعي نحو تكرار حتمي وخطيئة تاريخية قاتلة، ولكن هذه المرة بأدوات "البيروقراطية" الفاسدة بدلًا من قطعان "العسكرة" المنفلتة.