بقلم : احمد محمود السلامي
▪️ هناك نوع من اليأس لا يصنعه الفقد وحده، بل يولده الانتظار الطويل ، انتظار لا يتعلق بلقاء شخص أو تحقق أمنية عابرة، بل بأبسط حقوق الحياة التي أصبحت تتأجل عاماً بعد آخر: كهرباء مستقرة، مياه تصل إلى كل منزل ، رواتب ومستحقات تُصرف بانتظام ، وإصلاحات حقيقية تعيد للناس شعورهم بأن المستقبل واعد بالخير .
المواطن اليوم لا يعيش أزمة واحدة، بل يعيش في مساحة واسعة من الأزمات والترقب المستمر.. يترقب عودة الكهرباء فلا تأتي إلا متقطعة، وينتظر المياه التي أصبحت في كثير من الأحيان عبئاً يومياً مكلفاً.. ويعدُّ ويحسب الايام والأشهر التي تمر دون انتظام الرواتب، بينما تتكرر الوعود وتتأجل الحلول .
ومع الوقت، لا يصبح غياب الحقوق هو الأكثر قسوة على المواطن، بل حالة التحمل المستمرة ، أن تبقى الحياة معلقة بين إعلان إصلاحات لا تكتمل، وخطط لا تنفذ على الواقع، وأمل يتجدد فقط ليؤجل خيبة جديدة.
إن التنمية الحقيقية لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرة المواطن على أن يعيش حياة مستقرة تحفظ كرامته، وتمنحه الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي والخدمي ، فالكهرباء ليست رفاهية، والمياه ليست خياراً، والحقوق ليست امتيازاً، بل هي أسس تقوم عليها حياة الناس واستقرار المجتمع، بعيداً عن العنف والرذيلة والقهر .
والأشد قسوة أن المواطن لا ينتظر المعجزات، بل ينتظر نهاية هذا الاستنزاف الطويل .. ينتظر إصلاحات تُترجم إلى واقع، وخدمات تعود لتؤدي وظيفها، ومؤسسات تعمل بإخلاص بما يخفف الأعباء بدل من تضاعفها.
ربما لا يعني هذا الانتظار أن الأمل انتهى، لكنه أمل بات هشاً، يكفي ليمنع الاستسلام، لكنه لا يكفي وحده لصناعة الطمأنينة. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن واقفاً على حافة الصبر، يحمل أيامه الثقيلة، منتظراً لحظة يشعر فيها أن الحياة بدأت تتعافى و تتقدم إلى الأمام ، لا أن تظل مؤجلة إلى أجل غير معلوم ، فالجسد المنهك بالانتظار لا يبرأ بالمسكنات، وطالما أن الوجع لا يزال مستوطناً في الرأس، سيبقى البحث عن العافية مجرد صدى لأغنية حزينة وجرحٍ غائر.