آخر تحديث :الإثنين-13 يوليو 2026-02:11ص

لا دولة في عدن ولا عدالة في صنعاء

الثلاثاء - 30 يونيو 2026 - الساعة 10:29 ص
أنيس منصور


أنيس منصور


منذ أن انكسر الزمن اليمني في عام 2015، لم يعد المواطن يعرف على وجه الدقة فيأي بلد يعيش، ولا أي دولة تحكمه، ولا أي قانون يمكنه أن يستند إليه حين يُظلم، ولا أينافذة يطرقها حين يجوع، ولا أي مؤسسة يستطيع أن يسألها عن راتبه، أو دوائه، أومستقبل أطفاله.



صار اليمني يقيم في مساحة معلقة بين سلطات تتحدث

باسم الدولة، ولا تتصرفكدولة، وجماعات تزعم أنها جاءت لإنقاذ البلاد، ثم انتهت إلى إدارة خرابها، فيما بقيالإنسان العادي هو الكائن الوحيد الذي لا يمتلك سلاحًا ولا منبرًا ولا وفدًا تفاوضيًا ولاحسابًا مصرفيًا في الخارج.


تبدلت الأعلام والخطب، وتكاثرت الحكومات واللجان والمجالس والوفود، لكن وجهاليمني ظل واحدًا: وجهًا متعبًا ينتظر شيئًا لا يأتي.


كان ينتظر أن تنتهي الحرب، ثم خفض سقف انتظاره فصار يتمنى أن يتوقف القصف. وبعد أن توقف القصف في مناطق كثيرة، اكتشف أن السلام ليس مجرد غياب الطائرات،وأن الحرب تستطيع أن تواصل عملها من دون صوت.


يمكنها أن تعيش في فاتورة الكهرباء، وفي سعر الدواء، وفي طابور الغاز، وفي راتبانقطع، وفي مدرسة فقدت معناها، وفي مستشفى يستقبل المريض كما لو أنه يستقبلمتهمًا لا يملك كلفة إثبات براءته من المرض.


في المناطق التي تقول إنها تمثل الشرعية، لم يجد المواطن النموذج الذي قيل له إنالحرب شُنّت من أجل استعادته. لم ير دولة تستعيد نفسها، بل رأى سلطة تتوزع بينعواصم مؤقتة، ومكاتب مغلقة، وفنادق بعيدة، ومؤسسات تحمل أسماء رسمية بينمايتآكل معناها كل يوم.


لم تُبنَ إدارة عامة قادرة على حماية الناس، ولم تستعد العدالة مكانتها، ولم يصبحالقانون مرجعًا يحتكم إليه القوي والضعيف. بقيت المناصب نوعًا من الغنيمة،والوظيفة العامة بابًا للمحاصصة، والقرار موزعًا بين أطراف لا يجمعها مشروع وطنيبقدر ما تجمعها الحاجة إلى البقاء داخل المشهد.


كان المواطن ينتظر من هذه الشرعية أن تثبت اختلافها عن خصومها، في الشارعوالمستشفى والمحكمة ومركز الشرطة والميناء والمطار. كان ينتظر أن تقول له الدولة:ها أنا هنا، أراك وأحميك وأدفع راتبك وأحفظ كرامتك. لكنه وجد نفسه أمام سلطة تجيدالحديث عن السيادة فيما قرارها موزع، وعن المؤسسات فيما مؤسساتها متآكلة، وعنالجمهورية فيما المواطن لا يستطيع الحصول على أبسط حقوقه إلا بواسطة أو ولاء أورشوة أو معرفة شخصية.


صار اليمني يسمع عن اجتماعات لا يعرف نتائجها، واتفاقات لا تتغير بعدها حياته،وميزانيات لا يرى أثرها، ومساعدات تمر من فوق رأسه كما تمر السحب العقيمة. وكلماسأل عن الدولة، قيل له إن المعركة لم تنته بعد. وكلما طالب بالخدمات، أُبلغ أنالأولوية للجبهة. وكلما احتج على الفساد، اتُّهم بأنه يخدم الخصم. هكذا تحولت الحربإلى ذريعة كبرى، تبتلع الأسئلة وتؤجل المحاسبة وتمنح الفاشلين حق البقاء إلى أجلغير معلوم.


وفي الجهة الأخرى، لم يقدم الحوثيون نموذجًا يعيد للناس ثقتهم بالدولة، بل أعادواتعريف الدولة بوصفها سلطة طاعة وجباية وتعبئة. لم تتحول صنعاء إلى عاصمةلمؤسسات عادلة، وانما إلى مركز قوة يطلب من المواطن واجبات كاملة، بينما يمنحهحقوقًا ناقصة أو لا يمنحه شيئًا.


صار الموظف مطالبًا بالدوام من دون راتب، والتاجر مطالبًا بالدفع من دون ضمانات،والمواطن مطالبًا بالصبر من دون أفق، والقبيلة مطالبة بتقديم أبنائها، والأسرة مطالبةبأن تتفهم أن كل شيء مؤجل إلا التضحيات.


لم تُبنَ دولة تتسع لليمنيين باختلافهم، وإنما تشكل نظام شديد الحساسية تجاه النقد،واسع القدرة على الحشد، محدود الرغبة في سماع المجتمع. ارتفعت الشعارات حتىغطت على أصوات الجائعين، وصار الحديث عن المعارك الكبرى وسيلة للهروب منالأسئلة الصغيرة التي تصنع حياة البشر: لماذا لا يتقاضى الموظف راتبه؟ لماذا يتحولالتعليم إلى عبء؟ لماذا تصبح المستشفيات رفاهية؟ لماذا يزداد الفقراء فقرًا بينماتنمو طبقات جديدة حول مراكز النفوذ؟ ولماذا يُطلب من المواطن أن يكون بطلًا دائمًا،فيما لا يُسمح له بأن يكون إنسانًا عاديًا يريد الخبز والأمان ومستقبلًا معقولًا لأطفاله؟


الحوثيون يطلبون من الناس أن يقيسوا حاضرهم بحجم الأخطار الخارجية، والشرعيةتطلب منهم أن يقيسوه بحجم الانقلاب. وبين الخطر والانقلاب ضاع الإنسان نفسه. كلطرف يضع أمام