آخر تحديث :السبت-04 يوليو 2026-10:11م

حين تكون الحرب على الفساد هي معركة الدولة الحقيقية

الثلاثاء - 30 يونيو 2026 - الساعة 10:26 ص
جمال صالح لهطل


بقلم جمال صالح لهطل الفضلي


في كل دولة تسعى إلى النهوض، تبقى المعركة الأهم ليست معركة السلاح وحده، ولا معركة السياسة وحدها، بل معركة استعادة المال العام، وفرض سيادة القانون، ومحاسبة كل من استغل منصبه للإثراء على حساب الشعب.



ومن هذا المنطلق، تستحق الإجراءات التي اتخذها ويتخذها رئيس الوزراء العراقي الحالي لملاحقة ملفات الفساد والإعلان عن التحقيق في عدد من القضايا الكبرى، ودعم الأجهزة الرقابية والقضائية، كل التأييد والمباركة. فمهما اختلفت الآراء حول النتائج أو حجم الإنجاز، فإن فتح ملفات الفساد وعدم تركها طي النسيان يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، ورسالة مفادها أن الدولة لا ينبغي أن تستسلم لمنظومات النهب والإفلات من العقاب.



إن الدول لا تنهار بسبب قلة الموارد، وإنما بسبب الفساد عندما يتحول إلى منظومة تحمي نفسها بنفسها، فيصبح الفاسد أقوى من القانون، ويصبح الشريف هو الاستثناء.



وعندما ننظر إلى اليمن، نجد أن الفساد لم يعد مجرد تجاوزات فردية، بل أصبح - في نظر كثير من المواطنين - أزمة متجذرة امتدت لعقود، وتعاظمت بصورة أكبر منذ عام 2014، في ظل غياب المساءلة وضعف المؤسسات الرقابية، وانعدام المحاسبة الحقيقية لكبار المسؤولين.



ويتداول كثير من اليمنيين أرقامًا تتحدث عن استثمارات وأصول لمسؤولين ورموز نافذين في دول عدة، منها مصر وتركيا والإمارات وقطر وماليزيا وجيبوتي وغيرها، ويُقال إن قيمتها تبلغ مليارات الدولارات. وهذه الادعاءات، إن كانت صحيحة، فإنها تستوجب تحقيقًا قضائيًا وماليًا مستقلًا وشفافًا، يحدد مصادر تلك الأموال ويكشف للرأي العام الحقيقة كاملة، بعيدًا عن المزايدات السياسية أو الاتهامات غير المستندة إلى أدلة.



إن أموال الشعوب ليست غنائم حرب، وليست إرثًا شخصيًا لأحد، بل هي حق للأجيال، تُبنى بها المدارس والمستشفيات والجامعات والطرق، وتُصرف على رواتب الموظفين والخدمات الأساسية، لا على القصور والحسابات الخارجية.



أين الرجولة السياسية؟ وأين الضمير الوطني؟ ولماذا يستمر الصمت أمام ملفات الفساد بينما يعاني ملايين المواطنين من الفقر وانهيار الخدمات وتدهور مستوى المعيشة؟



إن الشعب اليمني لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل يحتاج إلى إرادة حقيقية تبدأ بتشكيل لجنة وطنية مستقلة، تضم الأجهزة الرقابية والقضائية والجهات المختصة، للتحقيق في قضايا الفساد الكبرى، وتتبع الأموال المنهوبة داخل اليمن وخارجه، وإعلان النتائج للرأي العام بكل شفافية، ومحاسبة كل من تثبت إدانته مهما كان منصبه أو نفوذه.



فلا يمكن بناء دولة عادلة بينما يبقى الفاسد فوق القانون، ولا يمكن استعادة ثقة المواطن ما لم يرَ مسؤولًا كبيرًا يُحاسب كما يُحاسب أي مواطن عادي.



إن التجارب حول العالم تؤكد أن مكافحة الفساد ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى قيادة تمتلك الشجاعة، وقضاء مستقل، وإعلام حر، وإرادة سياسية لا تعرف المجاملة.



ويبقى الأمل أن تتحول مكافحة الفساد في اليمن من مجرد خطابات موسمية إلى مشروع وطني حقيقي، لأن معركة استعادة المال العام هي معركة الكرامة والعدالة ومستقبل الوطن، وهي الطريق الأقصر لإنقاذ الدولة وإعادة الثقة بين الشعب ومؤسساته.



فالأوطان لا يحميها الفاسدون، وإنما يحميها القانون، وتصنع نهضتها العدالة، ويصون مستقبلها المسؤول الذي يدرك أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن التاريخ لا يرحم من خان الأمانة أو فرّط في حقوق شعبه.