في زمنٍ تتكاثر فيه المبادرات الضيقة، وتتنافس فيه المشاريع التي تُبنى على حدود الجغرافيا أو المصالح الآنية، تبرز من محافظة أبين مبادرة مختلفة في فلسفتها، وأهدافها، ورسائلها السياسية. إنها ليست مشروعاً لإضافة كيان جديد إلى المشهد، ولا محاولة لصناعة مركز نفوذ جديد، بل رؤية وطنية تسعى إلى تحويل المجتمع إلى شريك حقيقي في دعم الدولة، وإسناد مؤسساتها، وتعزيز قدرتها على القيام بواجباتها.
ولهذا، فإن المتابع لما تنجزه اللجنة التحضيرية المشكلة بقرار من محافظ محافظة أبين الدكتور مختار الهيثمي للإعداد لتأسيس مجلس تنسيق المكونات السياسية والمجتمعية والمدنية بمحافظة أبين، يدرك أنه أمام مشروع يتجاوز حدود المحافظة، ويحمل في مضمونه رسالة وطنية عميقة مفادها أن أبين اختارت أن تكون جزءاً من الحل، لا جزءاً من الانقسام، وأن تقدم نموذجاً في الشراكة الوطنية، لا نموذجاً في الاستقطاب.
لقد عُرفت أبين، عبر تاريخها، بأنها إحدى أهم القلاع الوطنية المدافعة عن الجمهورية والدولة، وكانت حاضرة في مختلف المنعطفات التاريخية التي مرت بها البلاد، وقدمت التضحيات دفاعاً عن الهوية الوطنية ومؤسسات الدولة. واليوم، وهي تواجه مع بقية المحافظات تحديات أمنية واقتصادية وسياسية معقدة، فإنها لا ترد على هذه التحديات بمشروع مناطقي أو فئوي، وإنما بمشروع يعيد الاعتبار لفكرة الدولة نفسها.
إن الفرق بين هذا المشروع وغيره، أن هناك من يبني مشروعه داخل حدود المحافظة، بينما تسعى أبين إلى أن تجعل من محافظتها منطلقاً لمشروع وطني يعزز الدولة ويقوي مؤسساتها. فالمجلس المرتقب لا يرفع شعار تمثيل أبين فحسب، بل يرفع شعار دعم الدولة من بوابة أبين، وترسيخ الشراكة الوطنية من داخل المجتمع الأبيني.
وهنا تكمن القيمة السياسية لهذه المبادرة.
فمجلس التنسيق ليس سلطة تنفيذية، ولا مؤسسة موازية، ولا بديلاً عن السلطة المحلية، ولا منافساً لها في الصلاحيات، بل هو الإطار الذي يجمع الطاقات السياسية والاجتماعية والمدنية لتكون سنداً للسلطة المحلية، وحاضنة شعبية لقراراتها، وشريكاً في معالجة التحديات التي تواجه المحافظة.
إن نجاح السلطة المحلية هو نجاح لكل أبناء أبين، ولذلك فإن أولى مهام المجلس ستكون حشد التأييد المجتمعي والسياسي لمساندة السلطة المحلية، وتعزيز الثقة بينها وبين المواطنين، وتوحيد الجهود خلف أولويات التنمية، وتحسين الخدمات، وترسيخ الأمن والاستقرار، وجذب الاستثمارات، وتوفير البيئة المناسبة لعمل مؤسسات الدولة.
ولعل ما يمنح هذه المبادرة أهميتها أن المحافظ الدكتور مختار الهيثمي لم يتعامل مع إدارة المحافظة بمنطق الإدارة التقليدية، بل سعى منذ توليه المسؤولية إلى ترسيخ مفهوم الشراكة، والانفتاح على مختلف القوى والفعاليات، وإشراك المجتمع في تحمل المسؤولية الوطنية. ومن هذا الفهم جاءت فكرة مجلس التنسيق، باعتبارها امتداداً لرؤية تؤمن بأن الدولة القوية لا تُبنى بالقرارات الإدارية وحدها، وإنما ببناء جسور الثقة بين السلطة والمجتمع، وتحويل المواطنين من متلقين للخدمات إلى شركاء في صناعة النجاح.
فالسلطة المحلية كلما امتلكت ظهيراً مجتمعياً واسعاً، أصبحت أكثر قدرة على تنفيذ برامجها، والتواصل مع مؤسسات الدولة المركزية، واستقطاب الدعم، وتحقيق التنمية. ولذلك فإن المجلس لا يضيف عبئاً على السلطة المحلية، بل يمنحها قوة إضافية، ويخلق حولها حاضنة سياسية ومجتمعية واسعة، تساعدها على أداء رسالتها بكفاءة واقتدار.
ومن يطالع الرؤية الاستراتيجية التي تعمل اللجنة التحضيرية على إعدادها، يدرك أن العمل يجري بعقلية مؤسسات، لا بعقلية مبادرات مؤقتة. فالرؤية تضمنت مرتكزات وطنية واضحة، وأهدافاً استراتيجية، وآليات للحوكمة، ولجاناً تخصصية، وضوابط تمنع الهيمنة والإقصاء، وتؤكد أن المجلس سيكون إطاراً للتوافق والتشاور والإسناد، وليس أداة للصراع أو الاستقطاب.
وهذا بحد ذاته يمثل نقلة نوعية في التفكير السياسي والإداري داخل المحافظة، ويعكس وعياً متقدماً بأن المستقبل لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالمؤسسات القادرة على جمع الناس حول المصالح المشتركة.
ومن الواجب في هذا المقام توجيه التقدير لأعضاء اللجنة التحضيرية، الذين يعملون بروح وطنية ومسؤولية عالية، ويبذلون جهوداً كبيرة في إعداد هذا المشروع، من خلال المشاورات الواسعة، وصياغة الوثائق المرجعية، وبناء رؤية استراتيجية متكاملة، تؤسس لمجلس قادر على الاستمرار والنجاح. إن ما تقوم به اللجنة اليوم هو استثمار في مستقبل أبين، ويستحق كل الدعم والمساندة من مختلف القوى والفعاليات وأبناء المحافظة.
إن الرسالة التي تحملها أبين اليوم ليست موجهة لأبنائها فقط، بل لكل اليمنيين. إنها تقول إن المحافظة التي كانت دائماً حاضنة للدولة ما تزال وفية لدورها التاريخي، وإن مواجهة الانقسامات لا تكون بانقسامات جديدة، بل بإحياء فكرة الدولة، وتعزيز مؤسساتها، وتوسيع قاعدة الشراكة الوطنية.
ولهذا، فإن نجاح مجلس التنسيق لن يكون نجاحاً للجنة التحضيرية وحدها، ولا للمحافظ وحده، ولا للمكونات المشاركة فيه، بل سيكون نجاحاً لأبين كلها، لأنها ستقدم نموذجاً جديداً في العلاقة بين المجتمع والدولة، وبين السلطة والمواطن، وبين التنوع والوحدة.
إن أبين اليوم أمام فرصة تاريخية لتكتب صفحة جديدة في مسيرتها الوطنية. فرصة لتؤكد أنها، كما كانت دائماً، محافظة تصنع المبادرات الكبيرة، وتنتصر للدولة حين يتراجع الآخرون، وتؤمن بأن قوة المحافظات لا تتحقق إلا بقوة الدولة، وأن قوة الدولة تبدأ من محافظات تمتلك الوعي والإرادة والشراكة.
ولذلك، فإن الالتفاف حول هذا المشروع، ودعم اللجنة التحضيرية، ومساندة رؤية المحافظ الدكتور مختار الهيثمي، ليس موقفاً سياسياً عابراً، بل هو استثمار في مستقبل أبين، وخطوة نحو بناء نموذج وطني رائد، يجعل من المحافظة عنواناً للتوافق، ومن المجتمع شريكاً في التنمية، ومن الشراكة قوةً تعزز الدولة وترسخ مؤسساتها.
فحين تتحول الشراكة إلى قوة للدولة... تكون أبين قد اختارت الطريق الذي يليق بتاريخها، ويستحقه مستقبلها.
،،،،،،،،،،،،
✍️ عبدالعزيز الحمزة
الاثنين ٢٩ يونيو ٢٠٢٦م