آخر تحديث :الأربعاء-08 يوليو 2026-10:06م

شتات اليتامى وأنين الجوع "بحور المآسي"(15)

الإثنين - 29 يونيو 2026 - الساعة 10:10 م
حسين سالم السليماني


كان الزمهرير ينهش الأجساد النحيلة، وأصوات نحيب الصغار ترتطم بآفاق الفجر وتختلط بخيوط الشمس الشاحبة التي لم تكن تشرق إلا لتكشف عن بؤس جديد. في تلك البقعة المنسية، لم تكن الريح وحدها القاسية، بل كانت قلوب ذوي القربى أشد مرارة؛ فقد كان العم وزوجته يلقون بلفحات حقدهم وشرر ظلمهم فوق تلك "العشة" المتداعية التي تأوي اليتامى، وكأنهم يوقدون في رماد براءتهم جمر الضياع.

وسط هذا الركام من القسوة، انبرت امرأة من صلب ذلك البيت، لكنها جُبلت من طينة غير طينتهم. كانت كزهرة نبتت في سبخة، اندفعت والرحمة تخفق في صدرها وهي تهتف بمرارة: والله ما رأيت مشهداً يخلع القلب كمرأى هؤلاء الصبية وهم يتوسدون حضن أمهم المنكسرة، يرتجفون تحت وطأة الخوف والجوع!


وقفت تلك المرأة الحليمة سداً منيعاً أمام بطش عمها وزوجته الغليظة، تلك التي لم ترث من نسوة البيت الأوائل رقة ولا شفقة، بل كانت تجسيداً للغلظة في أبهى صورها.


توافد الجيران، والكل يحمل في عينيه بريق الانكسار؛ فقد كان سيف الجوع يسلط ظلاله على الجميع، حتى صار الوقوف من شدة الهزال عبئاً تنوء به الأرواح. لم يلبثوا طويلاً حتى تفرقوا في مناكب الأرض، يفتشون في أحشاء العدم عما يسد الرمق، ولو كان طعاماً لا تقبله النفس في سعة العيش.

في تلك الأثناء، خرجت أرملة تولول تبحث عن فلذة كبدها الغائب، فأشار إليها "معين" —أكبر يتامى عمر— بأن الصغير قد قصد الوادي. هناك، وجدت النسوة الطفل المنكسر وهو يقتطع أطرافاً من جلود غنم ميتة (آذانها) ليشويها على نيران الفاقة. ارتمت الأم فوق صدره تبكي بكاءً مراً، واستحلفت رفيقاتها ألا يفضحن ستر هذا العوز. لكن إحدى النسوة، وقد غلبها الشجن، قالت بصوت متهدج:

بل سنقتسم معه هذا الشقاء، ونأكل مما يأكل.


عاد الليل ليضرب أطنابه فوق قرية مزقها الثأر وسحقها الجوع. وفي إحدى الزوايا، دخل رجل يحمل في صرته بضعة كيلوغرامات من الحبوب. هشت له عياله وبشّت، وظنوا أن الفرج قد طرق الباب. وضع الرجل الحبوب بين أيديهم، ثم انزوى بعيداً وانفجر بالبكاء.

سألوه والدهشة تعلو وجوههم: ما يبكيك وقد جئت بالرزق؟

أجابهم والشهقة تخنق صوته: لقد كنت أتتبع رجلاً لثلاثة أيام، باع غنمة له بالقليل من الدراهم ليشتري هذا القمح. رأيته وقد نال منه التعب، فنام تحت شجرة متوسداً صرته. اقتربت منه كاللص، رفعت رأسه برفق ووضعت حجراً مكانه، وسلبت ماله من قوت لأطعمكم. إن هذه الحبوب التي تمضغونها تفتت كبدي، وصورة ذلك الرجل الذي تركته وحيداً لا تغادر مخيلتي .


ومع اقتراب العصر، ترقبت العيون العائدة من السوق؛ حيث ذهب أحد الصالحين من قرابة "عمر" لعلهم يظفرون بقرض من الحبوب يُسدد عند الحصاد. كانت الآمال معلقة بتلك القروض التي لا تُمنح إلا لمن يملك أرضاً جاهزة ومطراً يلوح في الأفق، فإن غاب المطر، غاب الأمل.

وحين توارت الشمس خلف تلال الحزن، عاد الرجال بخطى مثقلة وأيدٍ خاوية. ساد الصمت الثقيل، وانكسرت الأحلام على صخرة الواقع المرير. نظر القوم إلى بعضهم، ففاضت الدموع تسقي تراباً لم يجد مطراً، ورفع أحدهم بصره نحو السماء، يناجي الخالق بعبرات صامتة، فليس في الأرض من مجيب...


...................•.................

وللقصة بقية...