آخر تحديث :الإثنين-29 يونيو 2026-09:03م

في مسالخ النجاة ..عندما يكون الشفاء ترفا..!

الإثنين - 29 يونيو 2026 - الساعة 07:34 م
انسام عبدالله


بقلم:أنسام عبدالله


طيلة عشر سنين من الدوران حول نفسه.. ظنّ الشعب أنه يركض في خط مستقيم على طريق الاستقرار، أملاً في الوصول إلى "الدولة المرجوّة" الموعودة.. هكذا رسمت له شعارات "القادة"، وهكذا نسجت أحلام البسطاء. لكنه لم يكن يعلم أنه في كل مرة، لم يكن يتقدم خطوة للأمام، بل كان يُساق مرغماً ليكون حطباً في مشهد درامي جديد من مشاهد الحرب.. تلك الحرب التي ظنّ جزافاً.. أنها انتهت..!


قد يتساءل القارئ مستغرباً: لمَ الإشارة في الصورة أعلاه إلى (المطرش)؟ وما علاقة تلك الأداة الطبية بحربنا التي لم تنتهِ بعد؟!


خلال تلك السنين التي "سقط فيها النظام" مثلما أراد ثوار الحادي عشر من فبراير، انهار في الحقيقة جدار منظومة كاملة.. منظومة كانت متكئة على "نزق" علي عبدالله صالح وفخره بنفسه "كزعيم"؛ حين يصرف ويتصرف، ويبني، ويرمم جراح شعب لم يخرج في تاريخه من حرب إلا ليدخل في أخرى..


لكن... ماذا لو أردنا الخلاصة اليوم؟


لنتجه الآن، وبعد كل ذاك السقوط والخراب، إلى أقرب مستشفى حكومي "عام" في المحافظات المحررة، ولنذلف مباشرة إلى قسم الطوارئ.. هناك، لن تحتاج الكثير من الوقت لتكتشف شيء؛ سترى مشاهد تشبه إلى حد كبير تلك المأساة التي تحدث في غزة!


مواطنون يلهثون؛ يطحنهم الحرّ، والجوع، والخوف.. ويتشبثون بأمل في "قليل" من الرحمة على يد أولئك "المتدربين" الذين يظنهم الناس أطباء متمرّسون!

المشهد هناك عبارة عن استجداء مستمر وجباية لا تتوقف:


"هات 500.. اشتري قربة دم ،وفر متبرع.. اشتري مستلزمات الإسعافات الأولية.. اشتري هذا الدواء الآن.. تصرف.. ادفع فلوس العملية..!"


وعليك خلف كل هذا الضجيج أن تنتظر خارجاً، حتى تنتهي النسوة داخل غرفة المختبر من حديثهن الجانبي و"لامبالاتهن" المعهودة.. اصمت حين يتكلم الممارسون الأدعياء لهذه المهنة العظيمة، وإياك أن تسأل عن مدى مصداقية التشخيص ! ففي هذه الفوضى تداخلت التخصصات، وأصبح الممرض بقدرة قادر "طبيباً"..


افسحوا الطريق سريعاً لطبيب الطوارئ، فقد تجمهر فوق رأسه المرضى وأهاليهم.. دعوه يخرج، فضالّتكم ليست عنده! اذهبوا وموتوا في بيوتكم بسلام، قبل أن تموتوا هنا بتشخيص خاطئ (كما قال أحد الرواة الفطاحل في آخر تعليقاته على حال هذا الشعب المطحون)..


يأتي الناس إلى "بعض" المستشفيات الحكومية كآخر محطة للنجاة من حربٍ ضروس أنهكتهم، وتراكمت تبعاتها على أجسادهم سنة تلو أخرى، لتفنيهم بسوء التغذية، وتذيب قلوبهم بانقطاع التيار الكهربائي في ظلال صيفٍ لا يرحم..حرب تميتهم ظمأً فالثلجُ ساخن.. والأموال لم يستطع إليها الجميعُ سبيلاً ..


يأتون طمعاً في السلام، والرحمة، والشفاء.. طمعاً في القدرة على الركض من جديد في تلك الدائرة المفرغة للبحث عن "الوطن والدولة".. فيصطدمون بالواقع ليدفعوا كل ما يملكون خلف جدران المشافي.. يدفعون ثمن "حق الدولة".. تلك الدولة المنسيّة!


كم أشفقتُ على تلك الأم التي تتصبب عرقاً، ويمزقها الخوف على وليدها الملقى على أحد أسرّة الطوارئ الباردة، و تركض "هي الأخرى" خلف ذوي الرداء الأبيض لعلها تجد بين زحامهم "المنقذ". لا تسأل لماذا؟ ولا كم؟ ولا كيف؟ تدفع فقط وهي مغمضة العينين، تستعطفهم وترجو شيئاً من الطمأنينة لفلذة كبدها، الذي اتضح لاحقاً أنه يعاني ورماً خطيراً، ومع ذلك يُركَن كالبقية بلا أدنى "اكتراث".. ( كما ورد في رواية فطحل آخر من فطاحلة هذا الزمان ) ..


أو لعلّ حالها مثل ذاك الأب المغلوب على أمره، الذي أخذ "الروشتة" الأشهر في بلادنا بعد الحرب: "كورس مضاد حيوي وريدي.. وخافض حرارة"، والسلام على الأحياء والأموات! وكأنّ مخازن المستشفيات الحكومية لا تمتلئ بالأدوية والمساعدات من كل الصنوف ! كما روت "فطحلة من الفطاحل الأفذاذ .."


يأتي المتعبون من وعثاء الوطن ليلقوا بأجسادهم على قارعته، صرعى داخل غرف المستشفيات.. في تلك اللحظات الأخيرة، لا يطمعون في شفاء مستحيل، بل يتمنون فقط "نسيماً بارداً" تجود به المكيفات .. كي يفرحوا قليلاً، وهم مقبلون على الجنة ! مؤمنين أنهم قد نجوا ..حين استشهدوا ظلما في سبيل ..الوطن !