آخر تحديث :الإثنين-29 يونيو 2026-09:04م

ابين بين الإهمال المزمن وخطط "أبين أولاً" المتعثرة: البطانة تعطل والتربية تدفع الثمن

الإثنين - 29 يونيو 2026 - الساعة 05:41 م
سالم مقبل الحنشي


بقلم: سالم مقبل الحنشي


تعيش محافظة أبين اليوم فصولاً متجددة من الإهمال الخدمي والإداري المتراكم منذ سنوات، حتى بات المواطن الأبيني يرى في كل تغيير إداري بصيص أمل سرعان ما يخبو أمام واقع معقد. ومع تولي الدكتور مختار بن الخضر الرباش الهيثمي منصب المحافظ في 14 مارس 2026، رُفعت سقف التوقعات بأن تشهد المحافظة "نقلة نوعية" تعيد لها هيبتها ودورها.


1. الإرث الثقيل: محافظة تنهشها الأزمات

أبين ليست محافظة عادية. موقعها الاستراتيجي وتاريخها النضالي يقابلهما واقع خدمي متردٍ: كهرباء متقطعة، مياه شحيحة، طرق متهالكة، وصحة وتعليم يصارعان البقاء. حتى البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن وضع أبين ضمن سبعة قطاعات حياتية متردية تحتاج تدخلاً عاجلاً. سنوات التهميش جعلت المواطن يفقد الثقة بأي وعود، خاصة مع استمرار الجبايات غير القانونية التي "أثقلت المواطنين"، وتفشي التقطعات والفوضى التي أعلن المحافظ الجديد أن "زمنها قد ولى".


2. "أبين أولاً".. شعارات بلا أدوات تنفيذ

رفع المحافظ الرباش شعار "أبين أولاً" كـ"بوصلة عمل" لتجاوز المناطقية والعنصرية، وأعلن خطة عمل إسعافية لـ100 يوم تستهدف تحسين الخدمات الأساسية. القرار الأول كان تشكيل لجنة لإيقاف الجبايات غير القانونية، مع التشديد على الانضباط الوظيفي ومكافحة الفساد.


لكن المشكلة ليست في الشعارات، بل في التنفيذ. فبينما يعلن المحافظ أن "المعركة ضد الفساد والعشوائية تبدأ الآن"، تشير الوقائع الميدانية إلى أن خطط الـ100 يوم اصطدمت بجدار بيروقراطي سميك صنعته "البطانة" المحيطة بالمحافظ. تلك البطانة التي تحولت إلى سلطة موازية، تتدخل في التعيينات، وتتجاوز التسلسل الإداري، وتفرض رؤاها على مدراء العموم، حتى باتت قرارات المكاتب التنفيذية تُطبخ خارجها.


3. البطانة تعبث والتسلسل الإداري ينهار

أخطر ما يواجه أي محافظ جديد هو تحويل مكتبه إلى "دكان سياسي" تديره مجموعة مصالح ضيقة. في أبين، تسببت تدخلات البطانة في إرباك العمل الإداري، فأصبح مدراء العموم بين مطرقة توجيهات المحافظ وسندان توجيهات "مقربين" لا صفة رسمية لهم. هذا العبث بالتسلسل الإداري أفقد المؤسسات هيبتها، وحولها إلى ساحة صراع نفوذ، والنتيجة: قرارات مرتجلة، ومشاريع متعثرة، وكفاءات مهمشة.


4. التربية أول الضحايا:استقالة الدكتور وضاح المحوري جرس إنذار

قطاع التربية في أبين يعاني أصلاً من نقص المعلمين، ونقص الكتاب المدرسي، ومدارس تحتاج ترميم وبناء. ورغم ذلك ظل مدير عام مكتب التربية الدكتور وضاح صالح المحوري يصارع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، من متابعة الامتحانات الوزارية لـ4575 طالباً وطالبة، إلى قيادة خطط التعافي، وإطلاق المسابقة العلمية والرياضية الأولى لطلاب المحافظة برعاية المحافظ نفسه.


لكن استمرار تجاوز التسلسل الإداري وتدخل أطراف غير مخولة في شؤون التربية، وتهميش رأي المختصين، دفع بالدكتور المحوري إلى تقديم استقالته. استقالة رجل ميداني قضى وقته بين المدارس، وواجه سرقة 4500 كتاب مدرسي، ليست مجرد مغادرة شخصية، بل إعلان فشل لمنظومة كاملة تدار بعقلية "الشلة" لا بعقلية الدولة.


5. إلى أين تتجه أبين؟

اللقاء التشاوري الأول الذي عقده المحافظ تحت شعار "هيبة تُصان وتنمية تُبنى" لن يصون الهيبة ما دامت البطانة تختطف القرار. وميثاق الشرف القبلي لن يحمي المشاريع إذا كانت الإدارة نفسها مخترقة. c412


أبين لا تحتاج خططاً جديدة بقدر ما تحتاج "إرادة" لتطبيق الموجود. تحتاج محافظاً يكسر طوق البطانة، ويعيد الاعتبار للتسلسل الإداري، ويحاسب المتجاوزين قبل أن يعلن خطة جديدة. فبدون ذلك، ستبقى "أبين أولاً" مجرد لافتة، وسيبقى أبناؤها ينتظرون محافظاً ينتشلهم فعلاً من حالة التدهور، لا محافظاً تكتفي بطاقمه بإدارة التدهور.


استقالة الدكتور وضاح المحوري يجب أن تكون آخر إنذار. إنقاذ أبين يبدأ بإنقاذ مؤسساتها من العابثين، لا بتغيير اللافتات.