لم يكن الأمر رتيباً كباقي الأيام، بل كانت صدفة أشبه بموعد مع الحزن غيّر ملامح المكان والزمان. كنت متواجد في المستشفى حين انشقت السكينة فجأة ووصل جسد الفنان المحبوب عدنان العطاس إلى بوابات الطوارئ.
في تلك الثواني المشحونة بالخوف، تلاشت المسافات، ولم أجد نفسي إلا مندفع، بدافع الحب والواجب، لأمد يدي مع الحاضرين محاولاً المساعدة في انتشاله ونقله. كانت اللحظات تمر كأنها دهور، وكل نبضة في قلوبنا تدعو ألا تكون هذه هي النهاية.
بعد دقائق معدودة من محاولاتنا الأولية، هرع الأطباء والطواقم الطبية في سباق ممرور مع الزمن. بدأت محاولات الإنعاش، وتراجعنا خطوات إلى الوراء، لكن أرواحنا ظلت معلقة هناك داخل تلك الغرفة الضيقة.
كُنّا نقتات على الفتات من الأمل.. ننتظر خلف الأبواب المغلقة، نرقب حركة الأطباء ونهمس لأنفسنا: "لعله يعود، لعل قلبه الأبيض يأبى الخذلان".. لكن، واجهتنا الحقيقة المُرّة؛ لقد فُقد الأمل وصعدت الروح إلى بارئها.
في تلك اللحظة جمدت الدماء في العروق. أصابني حزن ثقيل جاثم على الصدر، وألم يعتصر الروح وأنا أسترجع صورته قبل دقائق بين أيدينا. كنت أحبس دمعات عيني كبرياءً حزيناً، لكن الدموع استقرت في الأعماق جرحاً غائراً.
ولم يكن المشهد في باحات المستشفى أقل إيلاماً.. فقد انهار السد واهتزت الجدران بنحيب المحبين الذين تذكروا كيف أن عدنان العطاس أحبته حضرموت كما لم يحبه أحد، فكان صوت لهويتها ونبض لأهلها، منهم من بكى بحرقة، مسترجع إرثه وفنه وطيبته التي سكنت كل بيت حضرمي. ومنهم من تجمد في مكانه مصدوم، شاخص البصر، غير مستوعب لهول الفاجعة والرحيل المفاجئ لفنان أسر القلوب.
ولم تمضي سوى فترة وجيزة حتى بدأت باحات المستشفى تضيق بأصحابها؛ حيث توافد الأهالي والأصدقاء تسبقهم خطى الفزع. التقت الأعين الحائرة واحتضنت الأجساد بعضها في مواساة صامتة، ليتأكد للجميع أن الفراغ الذي تركه عدنان العطاس في وجدان البلاد أكبر من أن تسده الكلمات.
رحل عدنان العطاس بجسده، لكنه ترك خلفه نديّ الأثر وحب الناس الذي تجلى في تلك الليلة الحزينة. إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.
العزاء لحضرموت، ولعائلته، ولمحبيه، ولكل من اهتزت روحه لصدمة هذا الرحيل. تغمده الله بواسع رحمته.