آخر تحديث :الخميس-23 يوليو 2026-12:25ص

ثنائیة التتویج والخلع في فعالیة السوشیال میدیا..!

الإثنين - 29 يونيو 2026 - الساعة 10:49 ص
هايل علي المذابي


ھایل علي المذابي


تعتمد فعالیة السوشیال میدیا على ثیمة رئیسة ھي ثیمة التتویج والخلع، تماما كما رأینا ذلك في كرنفال باختین،

وإسقاط مفھوم "الكرنفالیة" عند میخائیل باختین على ھذا الفضاء الرقمي، یحولھ من مجرد أداة تواصل إلى

"ساحة طقسیة" دائمة الحركة. وقبل الحدیث عن ذلك یجب الإشارة إلى أن ثنائیة التتویج والخلع تشیر في سیاق

أعمق إلى سیرورة القدر من حیث التجدد بالولادة، والفناء بالموت.

ثمة نوعان من الأنظمة، نظام قائم بذاتھ ونظام یكتمل مع غیره، وأدوات التكنولوجیا وجمیع وسائلھا وتطبیقاتھا

تنتمي أنظمتھا إلى النوع الثاني من الأنظمة، في حین أن نظام الابتكارات والحیاة بمختلف وسائلھا ومجالات ما

قبل عصر المعرفة كان ینتمي في نظامھ إلى النوع الأول وھو الأنظمة القائمة بذاتھا.

وبما أن فعالیة السوشیال میدیا ھي جزء من وسائل التكنولوجیا كان لابد أن یكون نظامھا تفاعلیاً لا یكتمل إلا مع

غیره؛ من ھنا نجد أن فعالیة السوشیال میدیا فیما تتناولھ، وكشرط لدوام سیرورة التجدد فیھا، لا بد من عملیة

تتویج سواء على صعید الأفراد من حیث عملیة النشر أو من خلال التناول الجماعي لظواھر الحیاة واحداثھا،

فالمنشور الجدید ھو بمثابة تتویج لحدث أو موقف أو فكرة أو حالة، وھذا التتویج ینطوي على موت/خلع ما قبلھ

من منشور، وھذا على الصعید الفردي، وأما على الصعید الجمعي فكل ظاھرة من ظواھر الحیاة أو حدث من

أحداثھا كموت شخصیة عامة أو ذكرى ولادة أو ذكرى وفاة لشخصیات ملھمة أو فعل ینطوي على الغرائبیة في

الأوساط الاجتماعیة أو حدث مھم من أي نوع فإن تناولھ من قبل الجمیع في فعالیة السوشیال میدیا یعتبر

تتویجا/ولادة وینطوي على خلع/موت ما قبلھا من أحداث وظواھر وأفعال تناولھا الجمیع وتحدث عنھا.

وھكذا تبدو فعالیة السوشیال میدیا كـ "زمن دائري" لا تراكمي، یعمل على تكییف الفعالیة الرقمیة كأنظمة لا

تكتمل إلا بالآخر؛ فھذا "التتویج" الیومي لیس ترقیاً في سلم المعرفة، بل ھو استھلاك لحظي. التتویج ھنا ھو

"تصدر الترند"، والخلع ھو "النسیان التلقائي" الذي تفرضھ خوارزمیات التحدیث (Feed(. نحن أمام "كرنفال"

لا یھدأ، حیث یُرفع "الملك" (المحتوى المتصدر) على الأكتاف في الصباح، لیُخلع عن عرشھ (یُنسى) مع حلول

المساء، لیفسح المجال لتتویج جدید.

ومن ھذا نجد أن المھمة المنوطة بالإنسان في فعالیة السوشیال میدیا ھي مھمة وظیفیة ولیست مھمة جوھریة،

حیث تحول الإنسان من كائن "صانع للمعنى" (بالمفھوم الكلاسیكي) إلى "موظف" في سیرورة التتویج والخلع.

وھذا ھو جوھر "الاغتراب الوظیفي" في عالم السوشیال میدیا؛ فھي

وظیفیة من حیث أن شرط تحقیق التفاعل مع المحتوى الذي ینشره الفرد ھو الاستمراریة في التتویج/والخلع

وشرط بقاء الجماعة في الحیز الاجتماعي ھو أیضاً التفاعل والاستمراریة في عملیة التتویج/والخلع الیومي.

نعم ھكذا یبدو الإنسان كـ "وظیفي" لا "جوھري" في ھذه الفعالیة، وھذه نقطة حاسمة؛ فالأفراد في السوشیال

میدیا یتنازلون عن ذواتھم "الجوھریة" لیصبحوا مجرد "مرسلات" في شبكة التتویج. إذ أن الإنسان ھنا یعمل

بوقاً للحدث؛ فبقدر ما یسرع في "تتویج" الحدث الجدید (المشاركة، الإعجاب، التعلیق)، یضمن لنفسھ مكاناً في

المشھد. وھذا ما یفسر "اللھاث الرقمي"؛ حیث یصبح الصمت أو عدم المشاركة خروجاً من دورة الحیاة الرقمیة

(الموت المجازي في الفضاء الافتراضي).

إن فعالیة السوشیال میدیا إنعكاس للواقع والحیاة الاجتماعیة وفیھا یختلط المدنس بالطاھر، والبريء بالمجرم،

والطیب بالخبیث، والخیر بالشر، وبقدر ما یملكھ الأفراد من المرونة بقدر ما یمكن أن یحققونھ من نجاحات في

ھذه الفعالیة، وبقدر ما تلغي فعالیة السوشیال میدیا التراتبیة في المجتمع والمركزیات والحواجز التي كانت تتمیزبھا الحیاة الاجتماعیة الواقعیة، بقدر ما تؤثث لمجتمع خال من الأمراض الطبقیة التي سادت كثیرا في العصور

الماضیة. وتعد إشكالیة إلغاء التراتبیة و"دیمقراطیة الفوضى"، أو إلغاء المركزیات والحواجز، إشكالیة عمیقة من

حیث إثباتھا لتسطح الفضاء الرقمي حیث یختلط "المدنس بالطاھر" وھذا یعیدنا أیضاً إلى فلسفة باختین في

"السوق الكرنفالي"، حیث تسقط الأقنعة والھیبة الاجتماعیة. لكن التحدي الذي نطرحھ ھنا ھو "الحكمة في

الانتقاء"؛ فبما أن التراتبیة قد سقطت، أصبح عبء التمییز والارتقاء بالمحتوى ملقىً بالكامل على كاھل الفرد،

وھو تحدٍ أخلاقي ومعرفي ضخم في ظل غیاب "الرقیب الثقافي".

ویبقى تمیز الأفراد بقدرتھم على إدارة ھذه الثنائیة التتویج/الخلع بحكمة وانتقاء ما یمكنھم أن یحتفوا بھ، أو

یروجوا لھ في ھذه الفعالیة.

یخلق ھذا النظام مفارقة، نحن نعیش "تجدداً" مستمراً (تتویج)، لكنھ تجدد لا یراكم معرفة، بل یراكم "أحداثاً".

ھذه السیرورة (التتویج/الخلع) تفرغ الوعي الجمعي من قدرتھ على التأمل العمیق، بحیث نصبح "مجتمعاً للذاكرة

القصیرة" بامتیاز، وھو ما یفتح باباً واسعاً للتساؤل حول مستقبل الھویة الإنسانیة في ظل خضوعھا التام لھذه

الماكینة الطقسیة التي لا تكف عن التتویج والخلع. ھل ننتظر یوماً یمل فیھ "الجمھور" من ھذا التتویج المستمر،

أم أن طبیعة الإنسان المعاصر باتت رھینة لھذا الإیقاع السریع؟