آخر تحديث :الإثنين-29 يونيو 2026-09:03م

مجلس الشورى.. الغائب الأكبر عن معركة مكافحة الفساد

الإثنين - 29 يونيو 2026 - الساعة 12:30 ص
د. أحمد بن اسحاق


في كل مرة تنفجر فيها فضيحة فساد جديدة، يخرج المسؤولون للحديث عن السلام، والمرجعيات، وخارطة الطريق، بينما يبقى السؤال الذي يؤرق اليمنيين بلا إجابة: من يحارب الفساد داخل مؤسسات الدولة؟

وأول من ينبغي أن يُوجَّه إليه هذا السؤال هو مجلس الشورى.


ففي يناير 2025 أعلن المجلس رسميا فتح باب الترشح لعضوية الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، في خطوة استبشر بها اليمنيون، قبل أن يُسحب الإعلان بصورة مفاجئة عقب لقاءات مع رئاسة مجلس القيادة الرئاسي، وتتوقف الإجراءات دون تفسير، ولا تزال معلقة حتى اليوم.

من الذي أوقف هذا الاستحقاق؟ ولماذا؟ وإذا كانت هيئة مكافحة الفساد نفسها معطلة، فبأي أدوات تريد الدولة إقناع المواطنين بأنها جادة في محاربة الفساد؟


وخلال الفترة نفسها، توالت ملفات شغلت الرأي العام، من قضية المصافي السرية في ساحل حضرموت، والمصافي التي عُرضت في وادي حضرموت، إلى قضية تنظيف مطار عدن، والمشاريع الألمانية، وغيرها من الملفات التي أُعلن عن لجان للتحقيق فيها.

لكن أين انتهت تلك اللجان؟ وأين تقاريرها؟ وأين إحالة المتورطين إلى القضاء؟

ولعل ما يزيد هذه الأسئلة إلحاحا أن الخطاب العام اليوم لم يعد يدور حول الإنجازات، بقدر ما يدور حول الجمود، وغياب القرار، وتراجع مبدأ الثواب والعقاب، واستمرار مؤسسات تتقاضى موازنات من المال العام، بينما يكاد حضورها يقتصر على التصريحات وإثبات الوجود أكثر من صناعة القرار أو ممارسة الرقابة.


وإذا كانت السلطة التنفيذية تتحمل مسؤوليتها، فإن السؤال يظل قائما أيضا أمام مجلس النواب.

أين لجانه البرلمانية؟ وهل مُنعت من ممارسة دورها الرقابي؟ وإذا لم تُمنع، فلماذا لم نشاهد استجوابات أو جلسات مساءلة أو تقارير رقابية تواكب حجم قضايا الفساد؟ وإذا كانت الحكومات تُحاسَب عبر البرلمان، فمن يحاسب الحكومة عندما يغيب البرلمان عن دوره؟


ولا يقف الأمر عند مجلسي الشورى والنواب، بل يمتد إلى المجالس المحلية المنتخبة، التي منحها القانون صلاحيات تقويم أداء المحافظين ومديري العموم، بل وسحب الثقة من المتقاعسين وفقا للإجراءات القانونية. فلماذا بقيت هذه المجالس مجمدة طوال سنوات؟ وهل يُعقل أن تبقى سلطة الشعب الدستورية المنتخبة مصادرة، بينما تُختزل إدارة المحافظات في أفراد معينين لا يخضعون لرقابة ممثلي المواطنين؟


إن مكافحة الفساد ليست شعارا، بل منظومة متكاملة تبدأ بهيئة مستقلة، وبرلمان يمارس الرقابة، وشورى يفعّل أدوات النزاهة، ومجالس محلية تمثل إرادة المواطنين. فإذا تعطلت هذه الحلقات جميعا، فمن بقي ليمارس الرقابة باسم الشعب؟

إن المشكلة اليوم ليست في غياب النصوص أو المؤسسات، بل في تعطيلها. فلدينا هيئة لمكافحة الفساد لم تُستكمل، ومجلس شورى لا يفعّل أدواته، ومجلس نواب غابت عنه المساءلة، ومجالس محلية جُمّدت صلاحياتها. وهكذا أصبحت منظومة الرقابة أشبه بمحرك متكامل أُطفئ مفتاح تشغيله؛ فلا تحقيق يكتمل، ولا تقرير يُعلن، ولا مساءلة تُمارس، ولا محاكمة تُفضي إلى استرداد المال العام أو معاقبة المتجاوزين.


وعندما تتعطل سلسلة الرقابة، فالتحقيق، فالمساءلة، فالمحاكمة، يصبح الفساد هو النتيجة الطبيعية، لا الاستثناء. وعندها لا يعود السؤال: لماذا انتشر الفساد؟ بل: من الذي عطّل المنظومة الدستورية التي كان يفترض أن تمنعه؟