آخر تحديث :الأحد-12 يوليو 2026-10:44م

غطرسة القوة ونبوءة الجنين: لماذا لن يجهض نتنياهو ميلاد فلسطين العظيم؟

الأحد - 28 يونيو 2026 - الساعة 09:17 م
عوض عميران


تحكم حركة التاريخ سننٌ صارمة لا تحابي أحداً، ولا تعترف بزهو اللحظة العابرة بقدر ما تخضع لعمق التراكم الوجداني والمعرفي للشعوب. في هذه القراءة التاريخية، لا تبدو الانكسارات العسكرية في ظاهرها إلا فترات حضانة ضرورية لبذور تُدفن في تربة الأرض وعقول الجماهير، لتختمر في عتمة الصبر تمهيداً لميلاد حتمي لا مفر منه.

فلسفة الرصاصة والجنين: من وحي المشنقة اليمنية عام 1948

في شتاء عام 1948، ومع تداعي الحركة الدستورية في اليمن وسَوق رجالاتها إلى مقاصل الإعدام، وقف القائد العراقي النبيل جمال جميل أمام جلاديه. لم يكن موقفه موقف منكسر يستجدي عطفاً، بل كان موقف قاضٍ يحاكم قاتله بوعي مستقبلي حاد. وفي اللحظة التي ظن فيها الاستبداد الكهنوتي أنه يكتب فصل النهاية، أطلق "جميل" صرخته التي اخترقت جدار الصمت واختصرت فلسفة الصراع:

"احبلناها وستلد!"

لم يكن هذا الشعار تعبيراً عن يأسٍ أو محاولة أخيرة للشجاعة اللفظية، بل كان تشخيصاً علمياً دقيقاً لطبائع الاستبداد وحتمية الثورة. أدرك هذا القائد العسكري أن دماء الأحرار لم تذهب سدى، بل لقّحت وعي الشعب اليمني بجنين الجمهورية والتحرر؛ وهو جنين يستحيل إجهاضه بقطع الرؤوس أو هدم الدور. وبالفعل، وبعد أربعة عشر عاماً من المخاض العسير والآلام، جاءت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962 لتعلن للعالم ولد الجنين، وانقشعت عتمة الكهنوت إلى غير رجعة.

السكرة التكتيكية والخراب الاستراتيجي: وهم الانتصار الصهيوني

اليوم، يعيد التاريخ إنتاج مسرحيته العبثية بذات التفاصيل السيكولوجية للجلادين. يطل مجرم الحرب بنيامين نتنياهو على شاشات الوعي الإنساني، منتشياً بنشوة نصر عسكري مؤقت واستعراضي على الساحتين اللبنانية والفلسطينية، مستعرضاً تلال الركام وأجساد الضحايا وكأنه يكتب الفصل الأخير من الرواية.

غير أن هذا الطاغية المأزوم يسقط في ذات الفخ المعرفي الذي سقط فيه قتلة جمال جميل في صنعاء؛ إنه يغفل عن "لحظة التلقيح التاريخي". لقد عميت بصيرته عن حقيقة أن السابع من أكتوبر لم يكن مجرد خرق أمني أو تكتيك عسكري عابر، بل كان الزلزال الذي أحبل فيه السنوار ورفاقه الأرض والضمير الإنساني بعدالة القضية الفلسطينية.

لقد غرس طوفان الأحرار في أعماق الضمير العالمي حقيقة واحدة غير قابلة للمحو: أن هذا الاحتلال كيان وظيفي مؤقت، وأن الأرض لا تقبل الغزاة، وأن الحق الفلسطيني في السيادة والحرية برمتها—برّاً وبحراً وجواً وهوى—هو أصل الاستقرار في هذا العالم.

حتمية المخاض: السنن التاريخية لا تُجامل الطغاة

إن القفز فوق سنن التاريخ ضرب من الانتحار المعرفي والسياسي. فالآلة العسكرية، مهما بلغت وحشيتها وقدرتها التدميرية، عاجزة تماماً عن تصفية فكرة تسللت إلى عقول الملايين. يمر الصراع الراهن بمسارات سننية واضحة ومترابطة:

مرحلة التلقيح والزرع: وتتمثل في الصدمة المعرفية والأخلاقية التي أحدثتها المقاومة في وعي الأجيال الشابة داخل الأمة وخارجها، من جامعات الغرب إلى أزقة الشرق.

مرحلة المخاض والآلام: وهي كلفة الحرية الباهظة من الدماء والدمار والتضحيات؛ مخاض قاسٍ يتناسب طردياً مع عظَمة المولود المنتظر.

مرحلة الميلاد العظيم: وهي اللحظة التاريخية الحتمية التي تلتقي فيها السنن الكونية بالوعد الإلهي لتبديد الظلم وإقامة العدل.

إن التاريخ الإسلامي نفسه مليء بهذه السنن؛ ففي بدر كان المؤمنون قلة، وفي الأحزاب بلغت القلوب الحناجر، وفي فتح مكة تبدلت الموازين كلها. وبين الهزيمة والنصر كانت هناك دائمًا مرحلة من الصبر والثبات والإيمان بأن وعد الله لا يخلف.

يقين المواجهة وبشارة الفجر

إن هذا الزهو الاستعماري المتغطرس ليس إلا القشرة الخارجية لكيان يتآكل من داخله. والظلام مهما تمدد وبدا حالكاً، فإنه يحمل في أحشائه شهادة وفاته وإرهاصات الفجر الجديد. سيأتي يوم الميلاد العظيم لا محالة، وستتحول هذه الآلام العميقة إلى صكوك حرية واستقلال، وحينها ستتبخر أوهام الطغاة وتشرق أنوار العدل لتطهر الأرض من دنس الغدر.

وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ

وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ