بينما كان "عمر" يصارع الرمق الأخير من حياته، كان ثابت يمعن في نعيّمه الزائف، فقد استبشر بزوجته الثالثة؛ حسناء كسابقتيها، لكنها كانت تخفي خلف جمالها روحاً قاسية كالصوان، وقلباً لا يعرف الرحمة. لم تكن امرأة عادية، بل كانت صنو شقائه، تخوض غمار المعارك بجسارة لا تهاب الرصاص، وكأنها خُلقت لتكون سوطاً إضافياً يلهب ظهر الضعفاء.
وعلى الضفة الأخرى من القرية، انضمت عائلة "عمر" إلى ركب الأيتام الخمسة، ليصبح اليتم والفقر هما السمة الغالبة على تلك الديار المنكوبة.
كانت أرملة عمر تخرج مع خيوط الفجر الأولى، تكدح في الأرض تحت لهيب الشمس حتى المغيب، لا لتعود بكنوز، بل لتظفر بأربع أو خمس سنبلات من الذرة، هي كل حصاد يوم مضن من العناء.
تعود إلى كوخها، فيستقبلها أطفالها بأجساد لم تستر عريها الثياب، ووجوه غارت في ملامحها نضارة الطفولة، وعيون كسرها الجوع حتى انطفأ بريقها. تبادر الأم بجمع الحطب، توقده حتى يتوهج الجمر، ثم تلقي بالسنابل فوقه، وما هي إلا لحظات حتى يتخطفها الصغار بشراهة توجع القلب، وكأنهم يقتاتون على الصبر لا على الحبوب.
تجلس الأم وسط صغارها، تسألهم بقلب يرتجف: كيف قضيتم يومكم؟ ومن أيّ مورد أطفيتم غليل العطش؟.
أجاب "معين" – وهو الابن الذي سُمي تيمناً بالعون الذي يُرجى منه – وصوته يتهدج: يا أماه، ذهبنا إلى (المنهل)، ذاك الحوض الذي ركد فيه ماء المطر حتى استحال لوناً أسود كريهاً. شربنا منه رغم رائحته التي تزكم الأنوف، فلم يترك لنا الظمأ خياراً غيره. وفي طريق العودة، كنا نقتات على ورق الشجر لنخرس صراخ البطون الخاوية .
ثم استدار معين يسأل أمه بوفاء مبكر: وأنتِ يا أماه، كيف مضى يومكِ؟ ومن أين ترتوين؟ .
أجابت بابتسامة باهتة تداري بها وجعها: مثلكم تماماً، أقتسم مع الشجر طعامه. أما الماء، فلو تركنا العمل لنشرب لما وجدتم هذه السنابل. حين يشتد العطش حتى ييبس الحلق، نستخرج جذوع الشجر، نسحقها، ونمتص ما بقي فيها من رطوبة شحيحة لعلها تبقينا على قيد الحياة .
سألتهم بأسى: وكيف حال صغار الجيران الأيتام؟ .
قال معين بنبرة غارقة في السكون: مثلنا تماماً يا أماه.. نقتسم معهم العدم .
ومع هبوط الليل، واستسلام الأجساد المنهكة للنوم، فرشت الأم ما تبقى من حصائرها البالية تحت صغارها، والتحفت معهم ما بقي منها لتدرأ عنهم قرس الشتاء الذي لا يرحم. كان البرد ينهش العظام، والهدوء يخيم على "العشة" المتداعية.
وفجأة، انشقّ سقف الكوخ عن مشهد مرعب؛ لم تكن قطرات مطر، بل كانت "حمماً ملتهبة" من الجمر سقطت فوق رؤوس النيام!
ارتفع صراخ الأيتام، واهتزت أركان الكوخ بذعر يفوق الوصف. أجساد ترتعش من برد الشتاء القارس، وقلوب ترتجف من نيران الحقد التي لا تكتفي بقتل الكبار، بل تلاحق الأيتام في مضاجعهم.
لقد هطل الجمر من حيث يُنتظر الغيث.. فهل من منج من بحور هذه المآسي؟
..................•..................
وللقصة بقية...