في القاموس السياسي الكلاسيكي، يُعرّف التهديد العسكري بأنه أداة من أدوات القوة الشاملة، يُستخدم عادةً لردع الخصوم أو فرض معادلات جديدة على طاولة التفاوض، غير أن ما نشهده اليوم في الحالة اليمنية، وتحديداً في سلوك مليشيا الحوثي، يمثل انحرافاً حاداً عن هذا المفهوم الاستراتيجي، ليتحول التهديد من أداة سياسية إلى مجرد ظاهرة صوتية تعيش على استهلاك المفردات الرنانة وتدوير الأزمات. وحينما نراقب عن كثب تلك الخطابات المتلفزة والمفردات المكررة التي يطلقها من يُعرف في الشارع اليمني تندراً بـ"عبده السيد"، في إشارة إلى قيادة المليشيا التي تتخذ من الألقاب والقدسية الزائفة ستاراً لها، نجد أنفسنا أمام حالة تجسد المثل العربي القديم: "أسمع جعجعة ولا أرى طحناً". لقد دأبت هذه المليشيات على إطلاق سيل لا ينقطع من التهديدات تجاه المملكة العربية السعودية، متوعدة باستهداف العمق الاستراتيجي والبنى التحتية، في محاولة لرسم صورة قوة إقليمية لا تُقهر، لكن القراءة السياسية المتأنية، المجردة من الانفعال والمبالغة، تكشف بوضوح عن فجوة واسعة بين كثافة هذا الخطاب الإعلامي وبين ما يتحقق فعلياً على أرض الواقع. فالمسألة لم تعد مجرد تفنيد لادعاءات عسكرية، وإنما قراءة في العقل السياسي والإعلامي لمليشيا أدمنت متلازمة الصوت العالي، ومحاولة لفهم الأهداف الكامنة وراء هذا السيل المتكرر من التهديدات، واستشراف انعكاساته على مستقبلها السياسي وعلى استقرار المنطقة. ومن يتابع الخطاب الإعلامي الحوثي خلال السنوات الماضية يلاحظ بسهولة وجود هندسة ثابتة لا تكاد تتغير في طريقة إنتاج التهديدات؛ فالمفردات ذاتها، والوعيد ذاته، والحديث المتكرر عن مراحل تصعيد قادمة وضربات موجعة غير مسبوقة، بما يعكس نمطاً دعائياً قائماً على صناعة الضجيج أكثر من صناعة الوقائع. وقد استثمرت المليشيا جهداً كبيراً في بناء آلة إعلامية تعتمد على التضخيم والمبالغة، مستخدمة أساليب الحرب النفسية التقليدية، فتارة تتحدث عن أسلحة استراتيجية جديدة، وتارة أخرى تلوّح بخرائط لأهداف حيوية في قلب العواصم الخليجية، غير أن هذا الاستعراض المفرط للقوة يفقد قيمته كلما تكرر دون نتائج ملموسة، لأن التهديد الذي لا يُنفذ يتحول في النهاية إلى عبء على صاحبه، ويستهلك رصيده المعنوي وهيبته، ويجعل وعيده مادة للسخرية أكثر منه مصدر قلق لخصومه، وهو ما يعكس في جوهره أزمة خيارات أكثر مما يعكس فائض قوة. وعندما توضع هذه التصريحات في ميزان الواقع، تتجلى الفجوة بصورة أوضح، إذ لم تنجح تلك التهديدات، خلال الفترات التي بلغت فيها ذروتها، في تغيير المعادلات العسكرية أو اختراق المنظومات الدفاعية المتقدمة التي تمتلكها المملكة العربية السعودية، والتي أثبتت قدرة كبيرة على اعتراض معظم الهجمات وتقليل آثارها، في حين ظل التأثير الاستراتيجي محدوداً مقارنة بحجم الخطاب الإعلامي المصاحب لها. وفي المقابل، واصلت المملكة تنفيذ مشاريعها التنموية الكبرى ضمن رؤية 2030، واستمرت المؤتمرات الدولية والاستثمارات الأجنبية وبرامج التحديث دون أن تتوقف بفعل هذه التهديدات، وهو ما يعكس التناقض بين خطاب يسعى إلى صناعة صورة قوة إقليمية، وواقع تنموي واقتصادي لم يتغير مساره، مقابل استمرار الأزمات الاقتصادية والخدمية في مناطق سيطرة المليشيا داخل اليمن. ومن هنا يبرز التساؤل: إذا كانت هذه التهديدات لا تحقق أهدافها العسكرية، فما الذي يدفع الجماعة إلى الاستمرار في إطلاقها؟ من منظور سياسي، يرتبط هذا السلوك بعدة اعتبارات.، أولها محاولة ترميم الجبهة الداخلية وصرف الأنظار عن الأزمات الاقتصادية وانقطاع الرواتب وتراجع الخدمات وتزايد الاحتقان الشعبي، من خلال تصدير الأزمة إلى الخارج وصناعة عدو خارجي يبرر استمرار حالة التعبئة والاستنفار، وثانيها استخدامها كورقة ضغط تفاوضية عبر رفع سقف الخطاب السياسي لإيصال رسالة مفادها أن تجاهل مطالبها قد يقود إلى مزيد من التصعيد، وثالثها ارتباط هذا الخطاب بسياقات إقليمية أوسع، تسعى من خلالها الجماعة إلى تأكيد حضورها السياسي والإعلامي وإظهار استمرار فاعليتها ضمن تحالفاتها الإقليمية. غير أن أخطر ما يترتب على هذا النهج هو تآكل المصداقية، إذ إن التكرار المستمر للتهديدات دون نتائج حاسمة يؤدي إلى ما يمكن وصفه بحالة من "مناعة التهديد"، سواء لدى الرأي العام أو لدى الخصوم، وهو ما يجعل الرسائل الإعلامية أقل تأثيراً مع مرور الوقت. وعلى الصعيد الداخلي، تحولت خطابات الوعيد لدى كثير من اليمنيين إلى مادة للسخرية في ظل استمرار الأزمات المعيشية وتراجع الخدمات، بينما تشكل على المستوى الإقليمي والدولي انطباع بأن هذه التهديدات تمثل مصدر إزعاج أمني أكثر من كونها تهديداً استراتيجياً قادراً على تغيير موازين القوى، وهو ما دفع كثيراً من الأطراف إلى التعامل معها ضمن أطر دفاعية محسوبة دون السماح لها بعرقلة مشاريعها السياسية أو الاقتصادية. وفي المحصلة، يثبت التاريخ السياسي أن القوة لا تُقاس بحجم الخطابات ولا بكثافة الشعارات، وإنما بقدرة الدول والفاعلين السياسيين على تحقيق الاستقرار والتنمية وبناء المؤسسات وتوفير حياة كريمة لشعوبهم. ومن هذا المنطلق، فإن استمرار التعويل على التهديدات الإعلامية باعتبارها وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية يبدو خياراً محدود الجدوى، في ظل اتساع الفجوة بين الضجيج الإعلامي والواقع الميداني، وبين الجعجعة الكثيرة والطحين الغائب، وهي فجوة أصبحت أكثر وضوحاً أمام الرأي العام المحلي والإقليمي، بما يجعل المستقبل مرهوناً بقدرة جميع الأطراف على الانتقال من منطق التصعيد والشعارات إلى منطق السياسة الواقعية والحلول التي تضع مصالح الشعوب واستقرار المنطقة فوق حسابات الصراع المستمر ..
بقلم / محمد علي رشيد النعماني .