آخر تحديث :الأحد-28 يونيو 2026-09:34م

الميسري.. مهندس التوافق ورهان المرحلة

الأحد - 28 يونيو 2026 - الساعة 04:22 م
عبدالله محمد الوحيشي


في منعطف تاريخي لا يقبل القسمة على اثنين، وفي ظل تحديات جيوسياسية ووطنية تستدعي الحكمة قبل القوة، يبرز المهندس أحمد بن أحمد الميسري، نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية الأسبق، كشخصية محورية تتجاوز بلقاءاته وتحركاته الممتدة من الرياض حدود المناصب السابقة، ليتحول إلى "مهندس حقيقي" لمسارات التوافق الجنوبي-الجنوبي والوطني العام.


إن المتابع لسلسلة اللقاءات المكثفة التي أجراها الميسري مؤخراً، يدرك أن الرجل لا يتحرك من فراغ سياسي، بل من رؤية استراتيجية واضحة تدرك أن "استعادة الدولة" ليست شعاراً يُرفع، بل مسار يبدأ بوحدة الصف. إن استقبال الميسري لتمثيلات متنوعة من كافة الطيف السياسي والاجتماعي—من قيادات في مجلس القيادة الرئاسي، ووزراء، وقادة عسكريين، وقيادات من المجلس الانتقالي سابقاً، ورؤساء مكونات الحراك الثوري، وشخصيات قبلية من حضرموت وشبوة وسقطرى—يعكس اعترافاً واقعياً بكونه نقطة التقاء وطنية قادرة على تذويب الجليد بين الفرقاء.


ما يميز أداء الميسري في هذه المرحلة هو اعتماده على "دبلوماسية البيت الجامع"، حيث يفتح مقره في الرياض كمنصة مفتوحة للحوار المسؤول. لم يكتفِ الميسري باللقاءات البروتوكولية، بل انتقل إلى عمق الملفات الشائكة، مؤكداً في كل محطة على أن الجنوب "لكل وبكل أبنائه"، وأن المرحلة الراهنة تقتضي التخلي عن "عقدة الماضي" و"مغامرات الصوت الواحد" التي أثبتت التجربة أنها لا تنتج إلا مزيداً من المعاناة. هذا الخطاب التصالحي الذي يتبناه الميسري يلقى صدى إيجابياً لدى مختلف المكونات، التي أصبحت ترى في طروحاته مخرجاً آمناً يحفظ كرامة الجميع.


وفيما يتعلق بالرعاية السعودية، ومن منطلق الحكمة السياسية، يدرك الميسري تماماً الأهمية التاريخية للرعاية السعودية لهذه الحوارات، ويحرص في لقاءاته—بما في ذلك لقاؤه المثمر مع السفير محمد آل جابر—على التأكيد بأن هذه الرعاية هي فرصة تاريخية لا يجوز التفريط بها. إن إشادة أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، أمثال الفريق الركن محمود الصبيحي والشيخ سلطان العرادة والآخرين، بجهود الميسري، تعطي مؤشراً قوياً على أن تحركاته ليست مجرد مبادرات شخصية، بل هي ممهدات سياسية تحظى بدعم وتنسيق عالي المستوى لتعزيز الأمن والاستقرار.


ونصل هنا إلى السؤال الجوهري: لماذا الميسري يا ترى؟

يُجمع المراقبون على أن الميسري يمتلك ميزة نسبية نادرة: "القدرة على الإصغاء والاحتواء". فحين يلتقي بقيادات عسكرية من "درع الوطن"، أو شخصيات من حلف قبائل حضرموت، أو قيادات سياسية متنوعة، فإنه لا يفرض رؤية أحادية، بل يعمل على صهر هذه التوجهات في "رؤية مشتركة" تلبي طموحات أبناء الجنوب وتضمن استعادة مؤسسات الدولة.


إن إشارات الميسري السياسية ليست مجرد كلام في قاعات مغلقة، بل هي ملامح خارطة طريق لمستقبل يمني وجنوبي يتسم بالشراكة والعدالة. لقد أثبت الميسري، من خلال تاريخه النضالي وموقفه الثابت في التمسك بالشرعية، أنه القائد الذي يمتلك "الشرعية السياسية والاجتماعية" التي تؤهله ليكون الضامن لنجاح الحوار المرتقب.


ختاماً، إن المرحلة التي نعيشها اليوم بحاجة ماسة إلى رجال لا يكتفون بالتشخيص، بل يمتلكون الشجاعة للعمل والقدرة على الجمع. وبقراءة فاحصة لتحركات المهندس الميسري، يتضح جلياً أنه يضع اللبنات الأساسية لحوار وطني شامل؛ حوار إذا ما سار وفق الرؤية التي يطرحها ويسعى لتوحيدها، فإنه سيحوز بلا شك على رضى الجميع، لأنه حوار ينطلق من المصلحة الوطنية العليا لا من الأجندات الضيقة.