قد استحضرتُ هذه القصة من أيام عملي مديرا للاستقبال في فندق الأحقاف، حين قام أحد النزلاء بالرجوع بسيارته إلى الخلف فاصطدم بسيارة فخمة من نوع لاندكروزر. لكن شهامته دفعته إلى الحضور إلى الاستقبال والاعتراف بما حدث، معلنا استعداده لتحمل جميع الأضرار، حتى لو تطلّب الأمر استبدال القطعة المتضررة كاملة.
وما إن شاهد صاحب السيارة سيارته المصطدمة حتى دخل علينا ووجهه كالصاروخ المشتعل، وبدأ يهدد الفاعل دون أن يعرف تفاصيل الواقعة أو موقفه النبيل، وأخذ يستعرض قوته وهيمنته، مصحوبًا بوابل من الشتائم والألفاظ غير اللائقة، ثم طلب مني استدعاء الرجل فورا.
حاولت تهدئته بكل الطرق الدبلوماسية، لكنه أصرّ على استدعائه لكي يعتدي عليه مباشرة. ولأنني كنت بمفردي حينها، خشيت أن تتفاقم المشكلة، لكن إصراره وتهديده دفعاني للاتصال بالنزيل وطلب النزول إلى صالة الاستقبال.
وخلال فترة الانتظار، خطرت لي فكرة لأعرف مدى شجاعة هذا الرجل الذي يتوعد ويتوعد. حملت فاتورة النزيل وقلت له: أرجوك، قبل أن تضربه، دعنا أولا نجعله يسدد ما عليه من مستحقات. ثم جعلته يرى الاسم الكامل المكتوب في الفاتورة.
وماذا أقول لكم؟! بمجرد أن قرأ الاسم، تحول وجهه من صاروخ جاهز للانطلاق إلى قطعة كعك هشة مغطاة بالكريمة، تكاد تتفتت من مجرد اللمس.
وحين نزل الرجل الشهم إلى الاستقبال، بدا واضحا أن ذلك الهمجي قد أصيب بخيبة أمل، فقد كان يؤمن بقانون الغابة الذي يستقوي فيه القوي على الضعيف، لكنه فوجئ هذه المرة بمن يظنه أقوى منه. ومع ذلك حاول أن يحافظ على ماء وجهه أمامي، فبدا متظاهرا بالغضب، بينما كان يرتجف كورقة في مهب ريح عاصفة.
لكن لأن الشهم يبقى شهما، فقد كرر اعتذاره وأبدى استعداده لتحمل كامل المسؤولية.
وهنا تذكرت قانون الغابة الذي تحدثت عنه في بداية المقال، فلو كان صاحب الخطأ شخصا ضعيفا أو مجهولا، لربما نُفذت كل التهديدات والوعيد، أما حين عرف أن الطرف الآخر ليس كذلك، تبخر الغضب واختفت الشجاعة المزعومة.
ولذلك فالمشكلة ليست في القوة بحد ذاتها، بل فيمن يستخدمها على الضعفاء ويخفيها أمام الأقوياء.
تلك ليست شجاعة، وإنما صورة أخرى من صور عيشة الغابة التي نأسف أن نراها بين البشر.
ودمتم في رعاية الله