بقلم: محمد سعيد كلشات
يرى الكثير من المراقبين للشأن المهري أن تفكيك الأزمات الراهنة في محافظة المهرة ينقسم إلى مسارين؛ مسارٌ يضم قضايا يسهل حلها ولا تتطلب من المعنيين سوى قرار شجاع وإرادة حقيقية، ومسارٌ آخر شديد التعقيد تتشابك فيه الملفات في ظل تجاهلٍ شبه تام من مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، يقابله تقاعس وارتباك من السلطة المحلية في الحسم والبت في القضايا العالقة، والتي باتت تمثل بؤرة خلاف وتنازع صلاحيات بين هذه الأطراف الثلاثة.
في الشق الخدمي، يبدو من السهل نسبياً معالجة ملفات حيوية كالكهرباء والصحة، إذا ما توافرت الرغبة في إعادة تقييم الجذور الحقيقية للأزمة.
إن الخطوة الأولى والممكنة هنا تكمن في غربلة القيادات الإدارية على رأس هذه المؤسسات، وإخضاع تدوير الوظيفة العامة لمعايير الكفاءة، التأهيل، والنزاهة. فالترهل الإداري هو المغذي الأول لتعثر الخدمات، يرافقه فساد مالي مستشرٍ قد لا تكون أدواته نابعة من داخل هذه المؤسسات الخدمية بالضرورة، بل تحركها أذرع ونفوذ من خارجها، لتقع تلك المرافق الضحية المباشرة لسياسة الهدر والنهب الممنهج.
وفي المقابل، يكمن الجانب الصعب في استحالة تصحيح هذا الإرث المتراكم بخطوة واحدة وعشوائية، إذ لا يمكن تشخيص الاختلالات وتجفيف منابعها دون جراحة إدارية هادئة ومدروسة تشمل البنية المؤسسية برمتها.
فالخدمات لا تعمل في جزر معزولة؛ إذ لا يمكن إصلاح قطاعات كالكهرباء، الصحة، والمياه دون تصحيح مسار الجهات الرديفة والمؤثرة عليها بشكل مباشر، مثل مكتب المالية، الخدمة المدنية، وشركة النفط. إن مكامن الخلل والتدخلات السلبية غالباً ما تأتي من هذه الجهات الخلفية، لترمى بظلالها القاتمة على جودة ما يقدم للمواطن.
إن المهرة اليوم تتأرجح بين "ممكنٍ" متاح و"صعبٍ" مؤجل. والذهاب نحو الحلول السهلة (الترقيعية) واستعراضها كإنجازات، مع التغاضي عن الملفات السيادية والمعقدة، ليس نجاحاً حقيقياً بل هو هروب إلى الأمام. إن استسهال الحلول القشرية وترك الأزمات البنيوية العميقة يؤدي بالضرورة إلى تراكمها، مما يجعل أي جهد خدمي مستقبلي مجرد "مسكن مؤقت" أمام طوفان من الصعاب الجديدة الناتجة عن سياسة التأجيل، وعلى رأس تلك الصعاب: الفساد المؤسسي، والسكوت المخزي عن الأخطاء التراكمية التي تلتقي بثقلها على حياة المواطن البسيط.