آخر تحديث :الأربعاء-08 يوليو 2026-10:06م

طعنة الغدر "بحور المآسي" (13)

السبت - 27 يونيو 2026 - الساعة 11:51 ص
حسين سالم السليماني


في لحظة صمتت فيها الطيور عن التغريد، انشقّ سكون الوادي عن دويّ رصاص كثيف، انهمر كالمطر الأسود ليغسل الهدوء بالخوف. تساءل الجميع بقلوب واجفة: أهو هجوم قبلي غاشم؟ أم هي الحرب التي لا تُبقي ولا تذر؟. هب الرجال، كل يقبض على زناده، يتحصنون خلف الصخور والبيوت، يرقبون الأفق بعيون ملؤها الحذر.

خفتت الأصوات تدريجياً حتى تلاشت، وحلّ صمت أشد وطأة من صوت الرصاص. ومن بعيد، تهادى صوت مألوف، لكنه كان مخضباً بالوجع والأنفة؛ كان صوت "عمر" وهو يهتف بصعوبة: إنه الكمين.. لقد نصبوه لي مجدداً، لكني كبحت جماح غدرهم!.


هرع الناس نحو الصوت، ليجدوا عمر ملتحفاً بدمائه، مسجىّ فوق تراب طالما أحبّه وسقاه من عرقه. لقد كانت الرصاصات حاقدة، استهدفت أطرافه الأربعة بدقة لئيمة، حتى غدت يداه اللتان كانتا تروضان المحراث والزناد عاجزتين عن حمل السلاح.

حملوه بين الأذرع والقلوب إلى داره، وهناك، انحنى عليه ابن عمه والدموع تخنق الكلمات: يا عمر.. كيف نالوا منك وأنت اليقظ الحذر؟.

رد عمر بنبرة يمتزج فيها عتب المحب بمرارة المظلوم: لقد عملت بوصية أمي، وبما أشرت به عليّ؛ عكفت على تربية الأبناء، وأفنيت العمر في حرث الأرض.. لكن انظر ماذا فعلوا بي! لقد كان الفخّ مُحكماً، وكان الوجوه هي ذاتها التي تربصت بي في الغبش الأول.

هزّ ابن عمه رأسه بأسى: يا عمر، لقد أرادوا وأد بصيرتك، فمن فهم لغة الغدر كان لا بد أن يُسكِتوه.. إنها البيعة التي حذرتك منها، خيانة نُسجت في الظل. تنهد عمر ووجعه يزداد: نعم.. الخيانة هي التي تقتل، لا الرصاص .


عاش عمر بعدها عقداً من الزمان (عشر سنوات)، لكنه لم يعد ذاك الذي يصارع الصخور بفسيله. قضى عاماً كاملاً يتداوى بمرارة "الأراك" الممزوج بـ "سليط السمسم"، يضمد جراحه لعل الحياة تعود لتلك الأطراف الذاوية. شفي الجسد، لكن الندوب بقيت تحكي قصة الظلم؛ فقدمان التويتا، ويدان خانهما العصب، إذ كانت رصاصات الخصوم تترصد مفاصله لتقعده عن المجد.

عشر سنوات قضاها عمر يراقب الأرض التي لم يعد يستطيع حرثها، والبندقية التي غدت معلقة على الجدار كذكرى بعيدة. لم يكن عجزاً جسدياً فحسب، بل كان حبساً لروح ولدت لتمتطي صهوة الكفاح.


وبعد أن أتمّ رسالته في الصبر واليقين، ترجّل عمر عن صهوة الحياة، تاركاً خلفه إرثاً لا يمحوه الغياب؛ ثلاثة من الأشبال الذين رضعوا العزة من صبر أبيهم، وابنة تحمل ملامح الصمود. رحل عمر، لكن "بحور المآسي" التي خاضها، تركت في القرية حكاية لا تنتهي عن رجل لم تكسره رصاصات الغدر، بل صنع من عجزه منارة للأجيال.

مات عمر.. وبقيت الحقول تنتظر من يكمل الحكاية.


.....................•..................