آخر تحديث :الأحد-12 يوليو 2026-10:49م

فائض القوة.. كيف تتحول الانتصارات إلى بداية السقوط؟

الجمعة - 26 يونيو 2026 - الساعة 11:52 م
عوض عميران


في إحدى حلقات برنامج "شاهد على العصر"، قدّم الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط اعترافاً نادراً في الحياة السياسية العربية عندما أقرّ بأن أحد أخطائه خلال الحرب الأهلية اللبنانية كان نتيجة ما وصفه بـ"فائض القوة". وربما تكمن أهمية هذا الاعتراف ليس في الاعتراف بالخطأ ذاته، بل في تشخيص سببه. فالتاريخ يخبرنا أن كثيراً من الهزائم الكبرى لم تبدأ من الضعف، وإنما من الشعور المفرط بالقوة.

ففي مراحل معينة من الصراع، قد تتحول النجاحات المتراكمة إلى مصدر خطر على أصحابها. فعندما تحقق الجيوش أو الحركات السياسية انتصارات متتالية، يبدأ الاعتقاد بأن موازين القوة أصبحت محسومة، وأن ما نجح بالأمس سيظل ناجحاً غداً. وهنا تحديداً تتسلل الثقة المفرطة إلى مراكز القرار، ويتحول الإحساس بالقوة إلى غرور سياسي أو عسكري يقود إلى قرارات لم تكن لتُتخذ في ظروف أكثر توازناً.

ولعل تجربة نابليون بونابرت تقدم أحد أبرز النماذج التاريخية على ذلك. فقد تمكن القائد الفرنسي من إعادة رسم الخريطة السياسية لأوروبا، وأخضع معظم خصومه العسكريين، حتى بدا وكأن القارة بأكملها تدور في فلكه. غير أن النجاحات المتلاحقة دفعت نابليون إلى الاعتقاد بأن إرادته قادرة على تجاوز كل القيود.

وبعد فشله في إخضاع بريطانيا عسكرياً بسبب تفوقها البحري، لجأ إلى فرض حصار اقتصادي واسع عليها. لكن عندما بدأت بعض الدول الأوروبية، وعلى رأسها روسيا، في التململ من تبعات الحصار الاقتصادية، قرر نابليون اللجوء إلى القوة العسكرية لإخضاعها. وهنا وقع في أحد أكثر الأخطاء الاستراتيجية شهرة في التاريخ.

فقد دخل روسيا على رأس جيش ضخم قُدّر بمئات الآلاف من الجنود، لكنه اصطدم بعوامل لم تمنحه انتصاراته السابقة القدرة على تجاوزها؛ المسافات الشاسعة، وسياسة الأرض المحروقة، وقسوة الشتاء الروسي. وعندما انتهت الحملة، لم يعد من ذلك الجيش إلا جزء يسير، لتبدأ بعدها رحلة التراجع التي انتهت بسقوط الإمبراطورية الفرنسية ونفي نابليون.

ولم تكن تلك التجربة استثناءً في التاريخ. فقد امتلكت ألمانيا النازية في ذروة قوتها جيشاً بدا قادراً على السيطرة على القارة الأوروبية بأكملها. غير أن الثقة المفرطة بالقدرات العسكرية دفعت القيادة الألمانية إلى فتح جبهات متعددة وخوض معارك تفوق قدراتها الحقيقية على الاستمرار، لتتحول الانتصارات الخاطفة إلى بداية انهيار شامل.

والأمر ذاته يمكن ملاحظته بدرجات مختلفة في تجارب قوى عظمى أخرى. فالولايات المتحدة دخلت حروباً طويلة في فيتنام وأفغانستان والعراق انطلاقاً من قناعة بأن تفوقها العسكري كفيل بتحقيق أهدافها السياسية. لكن السنوات أثبتت أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة القدرة على فرض النتائج المرجوة. كما خاض الاتحاد السوفيتي حربه في أفغانستان وهو يعتقد أن ميزان القوة يحسم المعركة مسبقاً، قبل أن تتحول تلك الحرب إلى أحد عوامل استنزافه التاريخي.

ما يجمع هذه التجارب ليس التشابه في الظروف أو النتائج، وإنما وجود نمط متكرر يتمثل في أن الشعور المتعاظم بالقوة يدفع أحياناً إلى التقليل من شأن المخاطر والمبالغة في تقدير القدرات الذاتية. وعندما يحدث ذلك، تصبح الأخطاء الاستراتيجية أكثر احتمالاً، وتتحول النجاحات السابقة من مصدر قوة إلى مصدر أوهام.

ولا تقتصر آثار فائض القوة على ساحات القتال وحدها، بل تمتد أيضاً إلى طبيعة صناعة القرار نفسها. فكل انتصار يولد تدريجياً دائرة من المصفقين حول صاحب القرار، وكلما ازدادت النجاحات تراجعت قدرة المؤسسات والقيادات المحيطة على ممارسة النقد أو تقديم التقديرات المخالفة. ومع مرور الوقت، يتحول النجاح ذاته إلى حاجز يعزل القيادة عن التحذيرات والحقائق غير المرغوبة، فتزداد الثقة بالقدرات الذاتية على حساب القراءة الواقعية للمعطيات.

وقد شهدت الساحة اليمنية خلال السنوات الأخيرة نماذج تعكس هذه الظاهرة بدرجات متفاوتة. فبعض القوى التي حققت مكاسب عسكرية وسياسية متسارعة بدأت تتصرف وكأن هذه المكاسب كفيلة بضمان نجاح أي خطوة لاحقة. ويشير بعض المراقبين إلى أن اندفاع المجلس الانتقالي الجنوبي نحو توسيع نفوذه باتجاه حضرموت مثّل مثالاً على مخاطر هذا النمط من التفكير؛ إذ انطلقت تلك الحسابات من تقدير مرتفع لحجم القوة المتاحة والقدرة على فرض الوقائع، قبل أن تصطدم بتعقيدات سياسية واجتماعية وإقليمية لم تكن محسوبة بالقدر الكافي. وهو ما يوضح أن المشكلة لا تكمن في امتلاك القوة بحد ذاته، بل في الاعتقاد بأن القوة وحدها قادرة على تجاوز جميع القيود والعوامل الأخرى.

وفي نفس السياق اليمني، تطرح التطورات الأخيرة سؤالاً مشابهاً. فبعد سنوات من التوسع العسكري وتعزيز النفوذ وفرض الحضور السياسي، تبدو جماعة الحوثي أكثر ثقة بقدرتها على إدارة الصراع وفق شروطها الخاصة. وقد يكون جانب من التصعيد العسكري والحشد المستمر نابعاً من قناعة بأن موازين القوى باتت تسمح بتحقيق مكاسب إضافية أو فرض وقائع جديدة على الأرض.

غير أن التاريخ يقدم تحذيراً متكرراً لكل القوى الصاعدة. فالمشكلة لا تبدأ عندما تشعر الأطراف بالضعف، بل عندما تقتنع بأنها أصبحت أقوى من أن تخطئ. ففي تلك اللحظة تحديداً تبدأ الحسابات غير الدقيقة، وتتخذ القرارات الأكثر خطورة، وتصبح احتمالات المفاجآت أكبر من أي وقت مضى.

لا أحد يستطيع الجزم بمآلات الصراع اليمني أو توقيت تحولاته المقبلة، لكن التاريخ يكاد يجمع على حقيقة واحدة: أن القوى التي تفشل في ضبط غرورها السياسي والعسكري تصبح أكثر عرضة للانتكاسات، مهما بدت قوية في لحظة معينة. فبين الثقة بالنفس والغرور مسافة صغيرة، لكن نتائجها على مصير الدول والجيوش والحركات قد تكون هائلة.

وهكذا يبقى فائض القوة واحداً من أكثر الأفخاخ التي يقع فيها المنتصرون. فهو يمنح صاحبه شعوراً بالأمان، بينما يكون في الحقيقة بداية طريق مليء بالمخاطر. وعندما يتحول النجاح إلى قناعة بالعصمة، يصبح السقوط مجرد مسألة وقت، ويضيف التاريخ درساً جديداً إلى سجله الطويل عن مآلات الغرور حين يتنكر لحدود القوة.