آخر تحديث :الأربعاء-08 يوليو 2026-10:06م

عندما يصبح "المفسبك" إعلامياً ويُهمَّش صاحب المهنة.. من سرق الصحافة من أهلها؟

الجمعة - 26 يونيو 2026 - الساعة 03:34 م
موسى المليكي


في زمنٍ مضى، كان الوصول إلى لقب "صحفي" أو "إعلامي" رحلةً طويلة مليئة بالتعب والدراسة والتدريب والخبرة الميدانية. كان الإعلامي الحقيقي يقضي سنوات من عمره بين قاعات الجامعات، يدرس فنون التحرير الصحفي وأخلاقيات المهنة والإذاعة والتلفزيون والإخراج والإنتاج الإعلامي، ثم يبدأ مشواره المهني من الصفر، متنقلاً بين المؤسسات الإعلامية، باحثاً عن الحقيقة، ملتزماً بالمهنية، ومدركاً لحجم المسؤولية التي يحملها أمام المجتمع.


أما اليوم، فقد تغير المشهد بشكلٍ يثير الكثير من الأسئلة والقلق.

أصبحنا نعيش في زمنٍ غريب، زمنٍ صار فيه عدد المتابعين أهم من عدد سنوات الدراسة، وعدد الإعجابات أكثر قيمة من الشهادات الأكاديمية، وأصبح بإمكان أي شخص يمتلك هاتفاً ذكياً وحساباً على مواقع التواصل الاجتماعي أن يستيقظ صباحاً ليعلن نفسه "صحفياً" أو "إعلامياً" أو "صانع رأي"، دون أن يعرف أبسط قواعد العمل الإعلامي أو أخلاقيات النشر أو مسؤولية الكلمة.


لقد تحول الفضاء الإعلامي إلى ساحة مفتوحة، اختلط فيها المختص بغير المختص، وصاحب الخبرة بالهاوي، والإعلامي الحقيقي بمن يبحث فقط عن الشهرة السريعة والظهور المؤقت.


المؤلم في الأمر ليس وجود وسائل التواصل الاجتماعي، فهي أدوات تقنية مهمة أتاحت للجميع فرصة التعبير، وإنما المشكلة الحقيقية تكمن في تحويل هذه الأدوات إلى بديل كامل عن المهنة الإعلامية نفسها. فليس كل من يملك حساباً على فيسبوك صحفياً، وليس كل من يصور مقطع فيديو إعلامياً، وليس كل من ينشر خبراً أو تعليقاً مؤهلاً لحمل رسالة الإعلام.


كيف يمكن مساواة شخص أفنى سنوات عمره في دراسة الصحافة والإعلام، وتحمّل تكاليف التعليم والتدريب والعمل الميداني، بشخص لم يقرأ كتاباً واحداً في الإعلام ولم يدخل يوماً قاعة محاضرات متخصصة، لكنه يمتلك هاتفاً واتصالاً بالإنترنت؟


أي عدالة هذه التي تجعل صاحب المؤهل والخبرة يقف على الهامش، بينما يتصدر المشهد من يجيد إثارة الجدل أو صناعة الضجيج؟


لقد أصبحت بعض المنصات تمنح الشهرة لمن يصرخ أكثر، لا لمن يعرف أكثر. وأصبح البعض يخلط بين التأثير الإعلامي الحقيقي وبين جمع المشاهدات والمتابعين. بينما الحقيقة أن التأثير المسؤول لا يُقاس بعدد الإعجابات، بل بمدى المصداقية والوعي والقيمة التي يقدمها الإعلامي للمجتمع.


إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تساهم في تهميش الكفاءات الحقيقية وإحباط الشباب الذين اختاروا دراسة الإعلام كمهنة ورسالة. فحين يرى خريج الصحافة أن سنوات دراسته لم تعد تساوي شيئاً أمام شخص صنع شهرة عابرة عبر بث مباشر أو منشور مثير للجدل، فإنه يشعر بأن جهده العلمي والمهني قد تعرض للتقليل من قيمته.


وللأسف، لم يعد السؤال المطروح اليوم: من هو الأكثر كفاءة؟ بل أصبح: من هو الأكثر انتشاراً؟


وهنا تكمن الأزمة.


فالانتشار لا يعني المهنية، والشهرة لا تعني المعرفة، وعدد المتابعين لا يمنح صاحبه صكاً إعلامياً أو شهادة أكاديمية. فالمجتمعات التي تحترم المؤسسات والمهن لا تسمح بإلغاء التخصص أو التقليل من قيمة العلم والخبرة.


الطبيب لا يصبح طبيباً لأنه مشهور، والمهندس لا يصبح مهندساً لأنه يملك آلاف المتابعين، وكذلك الإعلامي لا يصبح إعلامياً لمجرد امتلاكه صفحة أو قناة على مواقع التواصل.


إن احترام التخصص ليس رفاهية، بل ضرورة لبناء مجتمع واعٍ يحترم العلم والخبرة والكفاءة. فالإعلام رسالة قبل أن يكون شهرة، ومسؤولية قبل أن يكون منصة، وعلمٌ قبل أن يكون صورة وكاميرا.


ولا يعني هذا رفض التطور أو محاربة المؤثرين وصناع المحتوى، فلكل مجال أهله، ولكن يجب أن تبقى المسميات المهنية محفوظة لأصحابها، وأن يُمنح كل ذي حق حقه. فصانع المحتوى صانع محتوى، والمؤثر مؤثر، أما الصحفي والإعلامي فهما مهنتان لهما أصول وقواعد ومعايير أكاديمية ومهنية معروفة.


سيبقى الإعلام الحقيقي قائماً بأهله مهما ارتفعت موجات الضجيج الإلكتروني، وستبقى قيمة العلم والخبرة أكبر من أي شهرة مؤقتة. فالمتابعون يمكن أن يأتوا ويذهبوا، والترند قد يولد اليوم ويموت غداً، لكن المهنة الحقيقية تبقى، والكفاءة تبقى، والاسم الذي بُني على العلم والعمل الجاد يبقى راسخاً مهما تغيرت الأزمنة.


إن المعركة اليوم ليست بين الإعلام التقليدي والإعلام الجديد، بل بين المهنية والفوضى، بين التخصص والادعاء، بين من حمل الرسالة بوعي ومسؤولية، ومن ارتدى ثوب الإعلام دون أن يعرف معناه الحقيقي.


وفي النهاية، لا يمكن لأي مجتمع أن يتقدم إذا أصبح صاحب الشهادة والخبرة في آخر الصف، بينما يتصدر المشهد من لم يملك سوى هاتف وكاميرا وبعض الضجيج.