عاد "عمر" من رحلته، يخطو الهوينا وخلفه بعيره المثقل بخيرات السوق؛ حبال فُتلت بصبر الأيدي، وتمر يكتنز حلاوة الأرض، وجلود صُنعت لتحفظ الماء، وأدوات حرث صاغتها مطارق "الحدّادين" الذين ينحتون من الحديد أملاً للفلاحين. كانت القرية تنتظره بلهفة، لاسيما تلك الأرملة التي كانت ترقب "البُنّ" ليعيد لدارها الموحشة دفء القهوة المفقود.
وبينما كان عمر يفك وثاق الأحمال، شقّ سكون المكان صراخ استغاثي لم ينقطع: "يا أماه.. أدركي بقرتنا.. يا أماه!".
كان صوتاً يقطر فزعاً، انطلق من حنجرة ابن الأرملة. جفّت الدماء في عروق الأم وهي تهرع متسائلة: ما بها؟! أيّ خطب أصاب ملاذنا؟. جاءها الرد كالصاعقة: لقد سقاها شقي من اشقياء القوم ماء يغلي بالسمّ والغدر!.
هرع الجميع، تسبقهم نبضات قلوبهم المنكسرة؛ الأرملة، وزوجة عمر، وعمر نفسه. وجدوا البقرة طريحة الأرض، تصارع سكرات الألم، لسانها يلهث وجعاً، وزبد اللعاب يتساقط كأنه دموع صامتة لحيوان لا يملك لغة ليحكي بها قسوة البشر. كانت نظراتها المنكسرة تطعن شغاف القلوب، وأبناء الأرملة يحيطون بها بنحيب يمزق الروح، وزوجة عمر تذرف الدموع حزناً على حال أيتام فقدوا "مُرضعتهم" وستر حالهم.
اعتلى صوت عمر نادياً في الجمع بمرارة: أهذا صنيع رجال؟ أيُفرغ الحقد في حيوان أعجم؟ أيُمارس البغي على أيتام لا حول لهم ولا قوة؟ .
انبرى صوت من الحاضرين يحاول تبرير القسوة: يا عمر، لقد أنذروها مراراً أن تقيد بقرتها حتى لا تقترب من حقولهم! .
رد عمر بزئير فيه كبرياء الحق: ولو بلغ النذير مبلغه، فليس الرد في تعذيب الروح! اذهبوا إلى هؤلاء الطغاة الذين ظنوا أن الأرض وما عليها خُلقت لهم، أخبروهم أن الموت يطرق باب هذه البقرة، وعليهم أن يُوفوا الأيتام حقهم بقرة مكانها.
خمسة أيام عجاف، والبقرة تئنّ أنيناً يهز أركان القرية، ممتنعة عن زاد أو سقاء، حتى أسلمت الروح. وماتت معها فرحة الأيتام.
لكن عدالة السماء لا تنام؛ ذاك الرجل الذي سكب "الماء الفائر" في جوف البقرة، عاش بعدها سنوات خمس كأنها دهور، حتى قُدّر له أن يكسر البعير رجله، ففتحت في جسده جراحاً لم تندمل. ظل عشرين عاماً ينزف دماً ووجعاً، وكان كلما اشتد عليه الألم صرخ بمرارة: ما بي إلا ذنب البقرة.. ما أهلكني إلا دعاء الأيتام!.
حاول الوسطاء إقناع تلك الأسرة الباغية بتعويض الأيتام، فما كان ردّهم إلا الصدود والجفاء. همس ابن عم عمر له: يا عمر، هؤلاء قوم أُشربوا الشحّ في قلوبهم، يوقدون نار الحرب لأتفه الأسباب، ولا يبذلون من أموالهم نقيراً.. دعك منهم .
عاد عمر إلى بيته والأسى يعصر قلبه، لكنه لم يترك لليأس باباً؛ أخرج من بضاعته القليلة ما تيسر، وأرسل مع زوجته "قهوة الأرملة" وحاجيات أخرى لتضمد جراح تلك الليلة الحزينة. نامت القرية على وجل، وظلال الظلم تخيم فوق البيوت، وأنفاس الأطفال تتصاعد بالدعاء.
أشرق الصباح متلحفاً بثوب الحزن والخيبة. استيقظ الصغار يفتشون عن بقرتهم فلا يجدون إلا الفراغ، حتى نساء الظلمة أنفسهنّ لم يسلمن من وخز الضمير وهن يشاهدن انكسار الجيران.
خرج الجميع إلى الحقول؛ هذا يسوق غنمه، وذاك يحرث أرضه، والنساء يقطعن الفيافي طلباً للحطب والماء. كانت الأجساد تعمل، والقلوب معلقة بفتيل يكاد ينفجر. وفجأة.. اخترق صمت الكدح دويّ رصاص متلاحق.. صاعقة هزت هدوء الوادي..
إلى أين سيمضي هذا الرصاص؟ ومن ستحصد منايا الخيانة؟.
...................•...................