الحبر ليس مجرد سائل داكن يلوّث بياض الورق، بل هو امتداد للروح حين تصافح الجغرافية، والكلمة الصادقة لا تموت في مجازها، بل تولد من جديد كلما مسّت وجدان الإنسان. ومن هنا، من رحم التفاصيل الصغيرة وبساطة الهوية، يطل علينا الإعلامي القدير منصور عامر، لا كراصدٍ لجلدٍ منفوخ يتقاذفه اللاعبون في ملاعب المونديال، بل كخيميائي يحول الحدث الكروي العابر إلى فلسفة إنسانية تلهم العقول وتأسر القلوب. في زاوية "خبابير عن كأس العالم"، يستحيل القلم لديه مبضعاً جراحياً يغوص في تفاصيل الثقافة العالمية، وعدسة مخرج تلتقط دهشة العيون، مستشرفاً تارةً مستقبل الملاعب المعطّرة بالذكاء الاصطناعي، وتارةً عائداً بالذاكرة إلى أصالة الجذور. إنه يدرك بعمق أن المونديال ليس ساحة للتنافس الرقمي المجرّد، بل هو مسرح إنسانيّ فسيح تلتقي فيه الشعوب وتتمازج على أرضه الأهازيج.
هذا العمق وهذه الرمزية البليغة في طيات حرفه، التقطتها عين خبيرة تميز معدن الفكر الأصيل، فجاءت شهادة الأستاذ محمد برناوي، رئيس تحرير صحيفة "شاهد الآن"، بمثابة القنديل الذي يضيء فرادة هذا المنجز، حيث خطّ بثنائه قائلاً: "أضفت زاوية «خبابير عن كأس العالم» التي يكتبها الزميل المبدع منصور عامر، مدير مكتب صحيفة «شاهد الآن» الإلكترونية في عدن، لمسة مختلفة ومميزة على التغطية الإعلامية للمونديال.. فمنصور يمتلك خبرة طويلة ومتراكمة في المجال الرياضي على المستويات المحلي والعربي والدولي، وهو ما انعكس بوضوح على أسلوبه في تناول الأحداث والمواقف والقصص المرتبطة بكأس العالم". ولم يكن الثناء وقوفاً على ضفاف الخبرة فحسب، بل غوصاً في رمزية اللفظ وعمقه الشعبي، إذ استلهم برناوي سر الجاذبية التي سكبها منصور عامر في نسيج نصوصه حين أضاف: "وتحمل كلمة «خبابير » خصوصية جميلة في اللهجة العدنية المحلية، الأمر الذي منح الزاوية طابعاً شعبياً قريباً من القارئ، وساهم في وصول رسائلها ومضامينها بأسلوب سلس وعفوي يلامس وجدان أبناء عدن واليمن عموماً..
ويحسب للزميل منصور عامر حرصه على توظيف المفردة المحلية في الكتابة الصحفية، فجميل أن يكتب الصحفي العربي أحياناً بلهجته المحلية عندما يكون ذلك وسيلة لإيصال الرسالة إلى أبناء مجتمعه وبيئته". إنها دعوة ملهمة لكل قارئ ولكل صاحب قلم؛ أن الإبداع لا يحتاج إلى التبرؤ من الهوية ليصبح عالمياً، بل إن الإيغال في الخصوصية المحلية والالتحام بتراب الأرض وبيئتها هو أقصر الطرق للتأثير الكوني. لقد نسج منصور عامر من مفردة "الخبابير" العدنية البسيطة دثاراً دافئاً تتدثر به الأحداث العالمية، ليبرهن للجميع أن الحرف الرياضي حين يتسلح بالوعي والثقافة يتحول إلى وثيقة إنسانية خالدة، تفيض بالجمال والعمق والمهنية في آنٍ واحد.