«بأيِّ ذنبٍ قُتلت؟» سيظل هذا السؤال الإلهي، بأسلوبه الاستفهامي البليغ، عالقًا في الوجدان الإنساني رغم مرور ما يقارب أربعة عشر قرنًا ونصف القرن على نزوله في محكم التزيل للقرآن الكريم. وما زال يتردد صداه مع كل خبرٍ فاجع، وكل ضحية جديدة تسقط برصاص الجهل والتطرف والعنف، حين تتجسد جاهلية العصر في أبشع صورها، سواء لبست ثوب السياسة أو ارتدت عباءة الدين.
وما زلت أسير أحزاني على رحيل ضحية بريئة في حضرموت، المحافظة التي دخلت إلى خط الصراعات الداخلية بغير إرادة أهلها، وهي من ظلت لعقود طويلة عنوانًا للحكمة والسلام والتعايش، حتى بات اسمها مقترنًا في الوعي اليمني والعربي والعالمي بقيم الاعتدال والاستقرار. غير أن مشهد الدم الذي لطخ صفحاتها الحزينة ترك جرحًا غائرًا في نفوس أبنائها ومحبيها.
لقد شكلت جريمة اغتيال مراسل «العربية» و«الحدث» المغفور له ـ بإذن الله ـ محمد عيضة منعطفًا مأساويًا جديدًا في تاريخ المحافظة، وتاريخها الصحفي الطويل، وصدمة كبيرة في مسيرة العمل الصحفي والإعلامي فيها. فهي ليست جريمة بحق فرد فحسب، بل اعتداء على الكلمة الحرة، ورسالة مقلقة تستهدف حق المجتمع في المعرفة والحقيقة.
ولهذا لم يكن مستغربًا أن تهز الجريمة ضمير كل ذو عقل وقلب سليم، وأن تحظى بمتابعة واهتمام مختلف المستويات الرسمية، من قيادة الدولة إلى السلطة المحلية بمحافظة حضرموت، إدراكًا لخطورة تداعياتها وما تمثله من مساس بالأمن المجتمعي وهيبة القانون.
واليوم، وعلى فداحة الجريمة، لم تعد الحقيقة بعيدة المنال كما كانت في أزمنة مضت. فالتطور التقني والرقابة الرقمية وسهولة تتبع الأدلة والخيوط الإلكترونية جعلت من الصعب على الجناة الاختباء طويلًا خلف ستائر الظلام. فكل خيط يقود إلى آخر، حتى تتكشف شبكة الجريمة مهما حاولت التواري خلف الأسماء والأقنعة.
وإذا كان القرآن الكريم قد وصف بيت العنكبوت بأنه أوهن البيوت، فإن بيت الجريمة اوهنها جميعا على الاطلاق، لانيهار سقفها و ارادتها عند اول مواجهة بالحقيقة وإقامة ميزان العدالة لها. فالمجرم قد ينجح في تنفيذ فعلته، لكنه يعجز عن الإفلات من آثارها، وتعجز أدواته عن محو البصمات التي تتركها الجريمة على الأرض وفي الذاكرة وفي ضمير المجتمع.
إن الدم الذي أريق ظلمًا لا يطالب بالثأر بقدر ما يطالب بالعدالة. وعدالة محمد عيضة ليست قضية أسرته وحدها، ولا قضية الوسط الصحفي فحسب، بل قضية مجتمع كامل يريد أن يطمئن إلى أن القانون أقوى من الرصاص، وأن الدولة قادرة على حماية أبنائها وصيانة حقهم في الحياة والعمل والكلمة.
ويبقى السؤال الإلهي الخالد معلقًا فوق رؤوس القتلة جميعًا: «بأي ذنب قُتل؟». سؤال لا تسقطه الأيام، ولا تطويه الأحداث، ولا يملك أحد الإفلات من جوابه أمام محكمة السماء، إن تأخر جواب الأرض. أما محمد عيضة فقد رحل جسدًا، وبقيت قضيته أمانة في أعناق الأحياء، وبقي دمه شاهدًا على أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تموت.