آخر تحديث :الخميس-25 يونيو 2026-09:06م

مأرب.. حين انتصرت إرادة الحياة على العاصفة

الخميس - 25 يونيو 2026 - الساعة 06:34 م
صبري سالم بن شعيب


بقلم: صبري سالم أحمد بن شعيب


في زمنٍ أثقلت فيه الحرب كاهل اليمنيين، وتفرقت فيه الأحلام بين المنافي ومخيمات النزوح، برزت مأرب كقصة مختلفة تستحق أن تُروى. ليست مجرد محافظة شرقي اليمن، ولا مجرد مدينة تختزن في باطنها الثروات وتحمل على أرضها إرث الحضارات القديمة، بل أصبحت اليوم نموذجًا حيًا لقدرة الإنسان اليمني على صناعة الأمل وسط الركام.


عندما تصل إلى مأرب لأول مرة، يلفت انتباهك شيء لا يمكن قياسه بالأرقام أو الإحصاءات؛ ذلك الشعور العميق بالأمان والانتماء. هنا لا تبدو المدينة كأنها تستقبل غرباء، بل كأنها تستعيد أبناءها. آلاف الأسر التي دفعتها الحرب إلى الرحيل من مدنها وقراها وجدت في مأرب ملاذًا آمنًا، ووجدت معها فرصة جديدة للحياة.


لم يكن التحدي سهلًا. فقد تدفقت إلى المحافظة موجات متلاحقة من النازحين من مختلف المحافظات والانتماءات الاجتماعية والثقافية، إلا أن مأرب نجحت في تحويل هذا التحدي إلى قصة نجاح استثنائية. فبدلًا من أن تتحول الكثافة السكانية المفاجئة إلى عبء، أصبحت مصدرًا لحيوية اقتصادية واجتماعية أعادت رسم ملامح المدينة وجعلتها نموذجًا مصغرًا لليمن بكل تنوعه.


في شوارع مأرب وأسواقها وأحيائها السكنية، تتلاشى الفوارق المناطقية والمذهبية أمام حقيقة واحدة: الجميع يبحث عن حياة كريمة ومستقبل أكثر استقرارًا. ولهذا أصبحت المحافظة مساحة مشتركة تجمع اليمنيين تحت سقف المواطنة والتعايش، بعيدًا عن الانقسامات التي مزقت أجزاء واسعة من البلاد.


وخلف هذا المشهد يقف عامل مهم أسهم في ترسيخ حالة الاستقرار التي تعيشها المحافظة. فقد اتسمت إدارة مأرب خلال السنوات الماضية برؤية قائمة على الاحتواء وتعزيز مؤسسات الدولة والحفاظ على النسيج الاجتماعي. ومن خلال قيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ المحافظة الشيخ سلطان العرادة، تمكنت مأرب من ترسيخ معادلة صعبة جمعت بين الأمن والاستقرار من جهة، واستمرار الخدمات والتنمية من جهة أخرى، رغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.


لقد أدركت القيادة المحلية مبكرًا أن الأمن لا يتحقق بالقوة وحدها، بل ببناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وبسيادة القانون على الجميع دون استثناء، وبإيجاد بيئة يشعر فيها المواطن والنازح على حد سواء بأن حقوقه مصانة وكرامته محفوظة.


ولعل أكثر ما يميز تجربة مأرب أنها لم تكتفِ بالصمود في وجه التحديات، بل واصلت البناء في أصعب الظروف. فبينما كانت مناطق عديدة تكافح للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات، استطاعت المحافظة أن تستوعب أعدادًا هائلة من السكان الجدد، وأن تواصل تقديم الخدمات الأساسية، وأن تحافظ على دورة الحياة الاقتصادية بصورة لافتة.


اليوم، لم تعد مأرب مجرد عنوان جغرافي على خارطة اليمن، بل أصبحت رسالة وطنية بليغة تؤكد أن السلام والاستقرار ليسا حلمًا مستحيلًا، وإنما ثمرة إرادة سياسية رشيدة وتكاتف مجتمعي صادق. إنها نموذج يثبت أن اليمن قادر على النهوض عندما تتغلب الحكمة على الصراع، والمصلحة العامة على الحسابات الضيقة.


مأرب هي روح اليمن التي رفضت الانكسار. وهي شاهد حي على أن الشعوب تستطيع أن تصنع الأمل حتى في أكثر اللحظات قسوة. وفي الوقت الذي ما زالت فيه البلاد تتطلع إلى مستقبل أكثر استقرارًا، تظل هذه المحافظة مثالًا لما يمكن أن يكون عليه اليمن عندما تنتصر قيم العدالة والتعايش والعمل المشترك.


وفي مأرب، ربما لا يكون السؤال الأول الذي يسمعه القادم: "من أين أتيت؟"، بل سؤالًا أكثر إنسانية وعمقًا: "كيف يمكن أن نساعدك؟". ومن هنا تحديدًا تبدأ الحكاية التي جعلت من مأرب قلبًا نابضًا لليمن، وواحة سلام في زمن العواصف.هذه النسخة أقرب إلى أسلوب المقالات المنشورة في الصحف والمواقع الإخبارية، حيث تعتمد على السرد الصحفي والوصف الإنساني واللغة المؤثرة مع الحفاظ على الطابع المهني والرصين.