تُعلمنا تجارب الحياة أن دموع الرجال ليست بالضرورة دليلًا على الانكسار أو الضعف، بل هي في كثير من الأحيان تفجُّر لبركان من القهر والظلم الذي يضيق به الصدر. وفي تفاصيل القصة التي سطرها الموقف المشرف للرجل الشهم حمد بن فدغم، نجد تجسيداً حياً لمعنى النخوة العربية في زمنٍ كثرت فيه التحديات وغابت فيه الموازين العادلة.
لجوء الحرائر وموقف الشرف
بدأت الحكاية حينما قادت الظروف ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين إلى دار حمد بن فدغم، مستجيرةً به في موقف يحمل دلالات عميقة من الموروث العربي؛ حيث قامت "بقص شعرها عليه" وهو رمز وتقليد قبلي عريق يعبر عن طلب الحماية القصوى واستنهاض الهمم لاسترجاع حقوقٍ مسلوبة لا يقوى أصحابها على ردها بمفردهم.
لم يتردد حمد بن فدغم، ولم يحسب عواقب الحسابات السياسية أو الأمنية الضيقة، بل تبنى الموقف بفروسية وشرف، واضعاً نصب عينيه إعانة الملهوف وإحقاق الحق.
مواجهة قوى الظلام
لم تكن طريق حمد بن فدغم مفروشة بالورود، بل وجد نفسه في مواجهة شرسة أمام جبهة معقدة وخطيرة:
عصابات وتجار الممنوعات: قوى خارجة عن القانون تمتلك المال والنفوذ والقدرة على الغدر.
المليشيات المسلحة: واجهات تفرض أجندتها بقوة السلاح بعيداً عن منطق الدولة والعدالة.
في هذه المواجهة غير المتكافئة، بكى حمد بن فدغم. لكن دموعه لم تكن خوفاً من السلاح أو جزعاً من الموت، بل كانت دموع قهر الأحرار؛ قهرٌ ينبع من رؤية الحق وهو يُداس، ومن حجم الخذلان والظلم الذي يمارسه الطغاة وأصحاب المصالح الضيقة.
رسالة إلى شعب اليمن: وجه السلالية القبيح
لقد كانت هذه الحادثة، وما تلاها من تكتل، تحمل رسالة بالغة الوضوح والشفرة إلى شعب اليمن بأكمله. رسالة كشفت بشكل جليّ وحاد عن حجم الحقد الدفين الذي تمارسه العنصرية والسلالية المقيتة ضد كل من يرفض الانصياع لإرادتها أو يتجرأ على كسر غطرستها.
تضاعف حجم القهر حينما اتسعت دائرة المواجهة، وأجمع الهواشم على شن حملة ضد حمد بن فدغم. وللأسف، بدلاً من الانتصار لصوت الحق أو التثبت، آثرت هذه الجموع تبني رواية زعماء المليشيا وأصحاب النفوذ، ليتضح للجميع أن العصبية السلالية تقدم مصلحة الجماعة المليشاوية على قيم العدالة والإنصاف. دموع هزت الوجدان اليمني
حينما بكى حمد بن فدغم من شدة الغبن والقهر، لم تكن دموعه حبيسة داره؛ بل بكى معه وأبكى شعباً بأكمله في الداخل والخارج. اهتزت لمشهده قلوب اليمنيين في كل مكان، لأنهم رأوا في دموعه انعكاساً لمعاناتهم الخاصة مع الظلم والتسلط، وشعروا بحجم الوجع الذي يعتصم بقلب كل حر يواجه طغيان القوة بمفرده.
إن بكاء رجل بمثل شجاعة حمد بن فدغم في وجه مليشيات وعصابات، هو إدانة صارخة لكل من خذله، وشهادة تاريخية على أن الوقوف مع المظلوم في زمن انكسار المبادئ يتطلب قوة تفوق قوة الجبال.
يبقى موقف حمد بن فدغم رمزاً من رموز الشهامة العربية التي لا تموت. قد تكسب المليشيات والسلالية جولة بقوة السلاح وتزييف الحقائق، وقد تنجح الحملات في محاصرة الجسد، لكن التاريخ لا يرحم؛ فهو يحفظ في صفحاته الناصعة أسماء الرجال الذين بكوا قهراً ولم يطأطئوا رؤوسهم للظلم، بينما تذهب روايات المليشيات وأعوانهم جفاءً مع الريح.
يقلم / محمد عبدالقادر الجبري