آخر تحديث :السبت-08 أغسطس 2026-01:20م

سعادة المسؤول.. وسلّة الرابط الرقمي "المبهرة" وجرّة الفول

الخميس - 25 يونيو 2026 - الساعة 04:06 م
خالد مبروك غالب


في وطننا العزيز، حيث يحمل المواطن شهادة عليا في "الصبر الاستراتيجي" وخبرة سنوات في العيش دون راتب، ويستنشق هواءً غنياً بعوادم السيارات ومولدات الجيران وروائح الصرف الصحي، ويقف في طوابير المحروقات كأنه ينتظر دوره في حفل ختامي، يعيش بيننا مسؤول بارز يُدعى "معالي الأستاذ ص مناصب" اشتهر بلقب "أبو التوقيع المشروط". فهو لا يوقع على معاملة إلا بعد أن يمر مدير مكتبه بـ"بدل قات إداري" أو "رسوم تسريع" تُدفع نقداً وبدون إيصال حرصاً على الشفافية!


بلغت الأوضاع ذروة الإبداع: الرواتب في إجازة مفتوحة بلا عودة، الكهرباء تحضر كضيف خفيف ساعة واحدة ثم تعتذر شهراً كاملاً، المستشفيات الحكومية تحوّلت إلى معارض فنية خالية من المرضى والدواء، والمدارس صارت قاعات اجتماعات للذباب بعد هجرة المعلمين بحثاً عن رزق يسد الرمق.


شعر معاليه أن الشعب بدأ يشعر بالملل، فظهر على الشاشة ببدلة رسمية وربطة عنق في ذروة الحرّ وابتسامة تكاد تضيء الاستديو، ليعلن بفخر: "نزف البشرى السارة بإطلاق منصة الرابط السريع لاستلام سلّة غذائية مدعومة، كحل مؤقت لحين العثور على السيولة المفقودة للرواتب". ومن هنا انطلقت الملحمة؛ تسابق المواطنون للبحث عن إنترنت ولو كان من نوع "شريحة الجار البطيئة"، وبعد ليالٍ من المحاولات حصلوا على "رمز الاستجابة" وكأنهم فازوا بجائزة كبرى، ثم توجهوا إلى مركز التوزيع فوجدوا طابوراً يمتد إلى ما لا نهاية تحت شمس تصلح للشواء، وعلى البوابة يقف "مدرب اللياقة الشخصية" من الجنود ويطلب "رسوم استعجال" لتجاوز الطابور، فيدفع المواطن وهو مبتسم فالرياضة مجانية والمقاومة مكلفة.


وصل دوره واستلم السلّة المدعومة وهو يحلم بأرز بسمتي ودجاج، فلما فتحها خارج المركز بلهفة وجد بداخلها كيس أرز "حجم رجيم" نصف كيلو، وعلبة فول صلاحيتها تعود إلى العصر المملوكي، وكيس عدس مضاف إليه حصى لزيادة البروتين والكالسيوم، وكيس ملح "لتذكيرك بطعم النعمة". أما ميزانية السلّة الحقيقية فقد استُثمرت بحكمة في "تطوير مكتب معاليه". وفي هذه اللحظة اقتحم المذيع الرسمي المشهد بكاميرته فرأى مواطناً يمسك السلّة ودموعه تنهمر، فسأله بحماسة: "نلاحظ الدموع في عينيك بعد استلام السلّة الرقمية! حدثنا عن انطباعك عن جهود معالي المسؤول؟" نظر المواطن إلى الكاميرا ثم إلى "مدرب اللياقة" خلف المذيع وقال بسخرية لطيفة: "والله يا أستاذ هذه دموع الامتنان! السلّة إنجاز عظيم، الكهرباء مقطوعة كي نطبخ العدس على ضوء القمر في أجواء رومانسية، والمستشفيات مغلقة كي لا نشغل أنفسنا عن تذوق هذا الإنجاز، والمدارس مغلقة ليتفرغ أبناؤنا لفن فتح علبة الفول الأثرية، وأما البلطجي على الباب فهو مدرب لياقة مجاني يدربنا على حمل الأثقال المتمثلة في كيس الأرز نصف الكيلو". هتف المذيع للكاميرا: "عاجل: المواطن يذرف دموع الفرح ويشيد بالخدمات الرياضية المصاحبة!"


لكن المفارقة الكوميدية الموجعة أن الحشود نفسها عادت مساءً إلى منصات التواصل لتكتب: "عاش القائد، السلّة غيّرت حياتي، وأنا والحصى أصدقاء الآن"، ثم سارعوا لتقديم أبنائهم قرابين في جبهات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ليستمر الوطن واقفاً في طابور الوهم يصفق لجلاده وهو يبتسم. الخلاصة: لا عسلٌ نذوقه ولا سلّة تُشبِعنا، لكننا أبطالٌ في فن التصفيق ونحن جياع