آخر تحديث :الخميس-25 يونيو 2026-09:06م

عن المونديال... وأسئلة «الأمرَكة»!

الخميس - 25 يونيو 2026 - الساعة 10:40 ص
فهد بن سليمان الشقيران


يتزامن مونديال كأس العالم مع تغيّرات اجتماعية وعالمية وتكنولوجية كبرى. من يراقب الفروق بين الجماهير بهذه البطولة مع سابقاتها يدرك أن العالم يسير بنا نحو تحوّل مدهش ومن دون أن نُدرك، لأننا داخل هذا التغيّر المذهل ولسنا خارجه.

وهذا أمرٌ طبيعي أن يتطوّر الإنسان في أسلوب تشجيعه لفريقه، خصوصاً أننا حتى الآن لم نستمع إلى شكاوى حول العنصرية في هذه البطولة، فداء العنصرية أكثر ما يدمّر القيم التي تستند إليها اللعبة.

والحقّ أن التشجيع أمرٌ طبيعي، مارسه الإنسان عبْر التاريخ من حقب المبارزة والصيد إلى مسابقات الخيول والجِمال وغيرها، لقد شكّلت التنافسية في المسابقات بشكلها العام جزءاً من حالة الحيوية الدنيوية اليومية.

إن لكلّ أمة حضارتها وأفكارها ورهاناتها التنافسية، وفي عصرنا الحاليّ نعم ثمة رياضات عديدة بلغت أُسّ الاهتمام، دع عنك كرة السلة، أو الرياضات الأميركية، بتنوّعها وشيوعها وجماهيريتها، كلها لها قيمتُها وأثرها، وإنما الذي هيمن على العالم كلّه اجتماعياً رياضة كرة القدم على وجه التحديد، وما كان هذا الموضوع ترفاً، وإنما له أصلُه البشري الغريزي، وذلك لأن قوّة التنافس في لعبة كرة القدم مكّنتْها من تحقيق جماهيريّة تتجاوز الحيّز الطبقي والنخبوي، بل استطاعت أن تؤسس لنمط من السجال اليومي بين جميع أفراد المجتمع وبطريقة أكثر حماسة من بقيّة الرياضات المقتصرة على المختصين.

إن ميزة كرة القدم أنها أدخلت معايير مختلفة في التقييم الأخلاقي والقانوني والعدلي، بمعنى أن غير الفاقِه بشؤون القانون بات يتعلّم عبرها سُبل التكييف والتسبيب لهذه الجملة الكروية أو تلك، لأن كرة القدم لعبة ذات بُعد إشكالي، وهذا أساسُ ديمومتها، لأنها لو كانت منتجةً لحقيقةٍ واحدةٍ لفسدت.

من هنا يأتي السؤال المهيمن في هذا المونديال تحديداً وهو سؤالٌ مركّب: هل أفسدت التكنولوجيا قوّة المنافسة ونزعت عن اللعبة مفاجآتها وقللت من الحماسة؟ وهل تمت «أمركة» لعبة كرة القدم بسبب القوانين الجديدة؟

قبل أن أجيب أستعيد ما طرحه قبل أيام المتخصص الرياضي أيمن جادة في برنامجه على «اليوتيوب» ومما قاله: إن «التكنولوجيا بدأت تدخل مجال كرة القدم بشكلٍ واضح منذ بطولة 2018 في روسيا، وأنا من المؤيدين لاستخدامها ما دامت تُظهر الأمور بدقة وتُعطي كل ذي حقٍّ حقه، وتجعل اللعبة أكثر عدالةً ومنطقيةً في قراراتها، ولكن الأمور ليست كذلك بالضبط بسبب التقنيات المساعدة التي أضيفت على نظام التحكيم، ومن هنا بدأ الحكام يتواكَلون، وأصبح اللاعبون حذرين ومترقبين... يبدو لي أن (الفيفا) يريد أن يدخل أشياء على كرة القدم غير التي كنا نعرفها؛ إذ يقال إن الشوط يمكن تغيير مدته من خمسٍ وأربعين دقيقة إلى نصف ساعة».

ثم يستعرض أيمن جادة بعض المواد والقوانين الجديدة التي هي أقرب إلى كرة القدم الأميركية منها إلى كرة القدم التي نعرفها، وهذا ما يخشاه عشّاق كرة القدم أن يتم محو صيغتها التي علّقت الناس بها، والبعض يرى أن اللعبة يُراد لها أن تكون بقوانينها الجديدة أقرب إلى كرة السلّة أو كرة الطائرة.

تعليقي كالآتي: إن الأسئلة المطروحة حول نسخة المونديال الحاليّة مهمة، وفيما يتعلق بالتكنولوجيا فإنها تسببت في انتزاع جزء كبير من الطاقة الحماسية التي كانت عليها اللعبة بالماضي، حتى الاستعانة بتقنيات الفيديو لقرارات التحكيم عزلت اللعبة عن منهجها، لأن الأخطاء التحكيمية جزء أساسي من بشرية اللعبة. من المفترض -لو استعنّا بالتكنولوجيا- أن تكون اللعبة هي التي تقودها. ما يجري الآن هو العكس؛ إذ صار الفريق منصاعاً لقراراتِ الكرة التكنولوجية والكاميرات المساندة، وغير ذلك من قوانين أضاعت على الناس متعتهم. إن الحكم جزء من المباراة، وبالتالي فإن أخطاءه متممة لصيغة اللعبة، على سبيل المثال حتى الآن يتذكّر العالم هدف مارادونا باليد، ويُتداول بطريقةٍ بها مزيج من الحماسة والاستغراب والمزاح، لقد تحوّل إلى مادة رياضية غنية، هذه هي طبيعة اللعبة ببشريتها وعفويتها.

الخلاصة؛ إن قوّة المسابقات تكمن في الإبقاء على صيغتها الأصليّة، لأن كثافة القوانين الجديدة جعلت اللعبة أقرب ما تكون إلى الألعاب الإلكترونية لا البشريّة الشعبية، وعليه فإن الأسئلة حول التكنولوجيا والقلق من إمكانية «أمرَكة» كرة القدم يمكن للمتخصصين الرياضيين البحث فيها والتأمل بها والتداخل حولها.