آخر تحديث :الأحد-12 يوليو 2026-10:44م

هندسة الهروب إلى الأمام.. لماذا يصعّد الحوثيون الآن؟

الأربعاء - 24 يونيو 2026 - الساعة 09:38 م
عوض عميران


في الوقت الذي كان فيه كثير من اليمنيين يترقبون انفراجة سياسية أو اقتصادية تخفف من وطأة الأزمة الممتدة منذ سنوات، اختارت جماعة الحوثي مساراً مختلفاً، تمثل في رفع وتيرة التعبئة العامة والاستنفار العسكري، وإطلاق حملات حشد واسعة تحت شعارات تعبوية متجددة. وبالنظر إلى طبيعة هذا التصعيد وتوقيته، يبدو أن الأمر يتجاوز مجرد استعدادات عسكرية أو إجراءات احترازية، ليعكس محاولة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي والخارجي بما يخدم مصالح الجماعة ويمنحها أوراق قوة إضافية في مرحلة شديدة التعقيد.

فالواقع داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين يشهد تراكماً متزايداً للأزمات الاقتصادية والمعيشية. فالفقر يتسع، والخدمات تتراجع، والمرتبات ما تزال تمثل معضلة مستمرة لملايين المواطنين، في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية وتتزايد الضغوط على الأسر اليمنية. وفي مثل هذه الظروف، تصبح أي سلطة أمر واقع عرضة لتنامي السخط الشعبي وتساؤلات الناس حول أسباب استمرار المعاناة وغياب المعالجات الحقيقية.

ومن هنا يمكن فهم أحد الأبعاد الرئيسية للتصعيد الراهن. فالتاريخ السياسي حافل بأمثلة لقوى وأنظمة وجماعات لجأت إلى تصدير أزماتها الداخلية عبر خلق حالة استنفار خارجي أو فتح جبهات جديدة كلما اشتدت الضغوط في الداخل. فالمعركة الخارجية كثيراً ما تتحول إلى وسيلة لإعادة توجيه الغضب الشعبي وصرف الانتباه عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وفي الحالة اليمنية، يبدو أن الخطاب الحوثي يسير في هذا الاتجاه من خلال التركيز على الخصوم السياسيين والعسكريين وتحميلهم مسؤولية التدهور الاقتصادي، بدلاً من فتح نقاش جاد حول السياسات والإجراءات المتبعة داخل مناطق سيطرتهم.

وفي الوقت نفسه، استفادت الجماعة من التطورات الإقليمية المتسارعة وما رافقها من تعبئة عاطفية واسعة في الشارع العربي والإسلامي. فالقضايا الإقليمية الكبرى تمنح الحركات ذات الطابع الأيديولوجي فرصاً إضافية للتجنيد والتعبئة واستقطاب الأنصار. ومن الواضح أن الحوثيين عملوا خلال الفترة الماضية على استثمار هذه الأجواء لتوسيع قاعدة الحشد وبناء احتياطي بشري جديد تحت مسميات وشعارات تجمع بين البعدين الديني والسياسي.

غير أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بعملية الحشد ذاتها، بل بالوجهة النهائية لهذه الحشود. فالمؤشرات الميدانية والخطابات الصادرة عن الجماعة توحي بأن جزءاً مهماً من هذا الاستنفار لا يتجه نحو مواجهة أخطار خارجية بقدر ما يتركز على الجبهات اليمنية الداخلية، ولا سيما في مأرب وتعز والضالع وغيرها من مناطق التماس مع القوات الحكومية. وهو ما يثير تساؤلات حول الأهداف الحقيقية الكامنة وراء هذا الزخم التعبوي المتصاعد.

ويأتي ذلك في ظل حالة جمود تعيشها العملية السياسية بعد تعثر الجهود الرامية إلى التوصل لتسوية شاملة تنهي الصراع. وفي ظل هذا الانسداد، تبدو الجماعة حريصة على تحسين شروطها التفاوضية عبر إظهار قدرتها على التصعيد العسكري وتهديد مناطق النفوذ الحيوية التابعة للحكومة الشرعية. فكلما ارتفعت كلفة تجاهلها أو تجاوزها، ازدادت فرصها في فرض مطالبها على طاولة التفاوض.

كما أن البعد الاقتصادي حاضر بقوة في هذه المعادلة. فالصراع في اليمن لم يعد يدور فقط حول النفوذ السياسي أو السيطرة العسكرية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالموارد ومصادر الدخل. وتدرك الجماعة أن حقول النفط والغاز والمنشآت الحيوية في مأرب وشبوة وحضرموت تمثل أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية للحكومة الشرعية. ولذلك فإن التهديد المستمر لهذه الموارد أو السعي للوصول إليها يمنح الحوثيين أوراق ضغط مؤثرة في أي مفاوضات مستقبلية، سواء تعلق الأمر بملف الرواتب أو تقاسم الموارد أو ترتيبات ما بعد الحرب.

ولا يمكن فصل هذه التطورات عن السياق الإقليمي الأوسع. فاليمن لم يعد ساحة معزولة عن التوازنات والصراعات الجارية في المنطقة، بل أصبح جزءاً من شبكة معقدة من الحسابات الأمنية والسياسية. ولهذا فإن أي تصعيد حوثي يحمل في طياته رسائل تتجاوز الحدود اليمنية، سواء باتجاه القوى الإقليمية أو المجتمع الدولي. وتدرك الجماعة أن أمن البحر الأحمر واستقرار خطوط الملاحة الدولية واستقرار اليمن نفسه باتت ملفات شديدة الحساسية بالنسبة للعديد من الأطراف الدولية، وتسعى إلى استثمار هذه الأهمية لتعزيز موقعها السياسي وتحسين شروط تعامل الآخرين معها.

وإلى جانب هذه الحسابات، يطرح بعض المراقبين سيناريو آخر أكثر تعقيداً، يقوم على فكرة "التخادم غير المباشر" بين الخصوم المتصارعين، حيث قد تفضي بعض التحركات العسكرية، بقصد أو دون قصد، إلى خدمة أجندات متبادلة لأطراف تبدو متعارضة في العلن.

وفي هذا السياق، يلفت الانتباه تزامن التصعيد الحوثي مع مرحلة يواجه فيها المجلس الانتقالي الجنوبي تحديات سياسية وعسكرية متزايدة، في ظل محاولات إعادة تشكيل موازين القوى داخل المحافظات الجنوبية، وصعود مكونات وقوى جديدة تسعى للحصول على مساحة أكبر من النفوذ والتمثيل. ومع تراجع فاعلية الخطاب السياسي والخدمي في تعزيز موقع الانتقالي، تبقى الورقة العسكرية أحد أهم مصادر شرعيته وقوته.

ومن هنا تبرز جبهة الضالع بوصفها ساحة ذات رمزية استثنائية. فالضالع لا تمثل مجرد خط تماس عسكري، بل تعد بالنسبة لأنصار الانتقالي رمزاً سياسياً وعاطفياً مرتبطاً بتاريخ الصراع وهويته. وأي تصعيد كبير على هذه الجبهة يعقبه نجاح قوات الانتقالي في صد الهجمات أو تحقيق مكاسب ميدانية، من شأنه أن يعيد إنتاج صورة المجلس بوصفه القوة الأكثر قدرة على حماية الجنوب والدفاع عنه.

وفي حال تحقق مثل هذا السيناريو، فإن نتائجه السياسية قد تتجاوز حدود المعركة نفسها. فاستعادة زخم "شرعية الميدان" من خلال مواجهة عسكرية ناجحة قد تمنح الانتقالي فرصة لتعزيز موقعه في مواجهة خصومه السياسيين، وإعادة فرض نفسه لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية تخص الجنوب. كما أن ذلك قد يضعف تأثير المسارات السياسية الهادفة إلى إعادة توزيع النفوذ أو بناء بدائل عسكرية وأمنية منافسة له.

وفي المقابل، فإن استمرار التوتر على هذه الجبهة يمنح الحوثيين بدورهم مبرراً إضافياً لمواصلة التعبئة والحشد واستنزاف خصومهم سياسياً وعسكرياً، بما يضمن بقاء حالة الاستنفار قائمة ويحول دون تراجع الزخم التعبوي الذي عملت الجماعة على بنائه خلال الفترة الماضية.

وبغض النظر عن مدى صحة هذا السيناريو أو إمكانية تحققه على أرض الواقع، فإنه يعكس طبيعة المشهد اليمني المعقد، حيث لا تقتصر نتائج المعارك على ما تحققه عسكرياً، بل تمتد آثارها إلى إعادة تشكيل موازين القوة والشرعية والنفوذ بين مختلف الأطراف المتصارعة.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى التصعيد الحالي باعتباره محاولة لتحقيق عدة أهداف متزامنة: امتصاص الضغوط الداخلية، وتجديد حالة التعبئة الأيديولوجية، وتعزيز القدرة على التجنيد والحشد، ورفع سقف التفاوض السياسي، وإرسال رسائل إقليمية تتجاوز حدود الصراع اليمني. وهي أهداف لا تبدو منفصلة عن بعضها، بل تشكل أجزاءً من استراتيجية واحدة تسعى من خلالها الجماعة إلى إعادة إنتاج موازين القوى بما يتناسب مع مصالحها في هذه المرحلة.

وفي مقدمة هذه الحسابات تظل محافظة مأرب هدفاً استراتيجياً بالغ الأهمية. فالمحافظة لا تمثل فقط آخر معاقل النفوذ الحكومي الرئيسية في شمال اليمن، بل تضم أيضاً أهم مصادر الطاقة والموارد الاقتصادية، ما يجعلها ذات قيمة عسكرية واقتصادية وسياسية استثنائية. ومن ثم فإن أي تهديد لمأرب لا يقتصر أثره على البعد العسكري، بل يمتد إلى التأثير في التوازنات الاقتصادية ومسارات التفاوض ومستقبل الصراع برمته.

في المحصلة، لا تبدو دعوات التعبئة العامة والاستنفار العسكري مؤشراً على ثقة مطلقة بقدر ما تعكس شعوراً متزايداً بالضغوط والتحديات. فالجماعة تجد نفسها أمام أزمات اقتصادية خانقة، ومسار سياسي متعثر، وبيئة إقليمية متقلبة، ما يدفعها إلى اللجوء مجدداً إلى الخيار الذي اعتادت استخدامه كلما ضاقت الخيارات الأخرى: رفع منسوب التوتر العسكري وتوسيع دائرة الحشد والتعبئة.

ومن هنا، فإن قراءة التصعيد الراهن بوصفه مجرد استعداد عسكري قد تكون قراءة ناقصة. فالأقرب إلى الواقع أنه يمثل محاولة للهروب إلى الأمام وإعادة تشكيل موازين القوى عبر أدوات الضغط العسكري والسياسي والاقتصادي. أما ما إذا كانت هذه الاستراتيجية ستنجح في تحقيق أهدافها أم ستقود إلى جولة جديدة من الاستنزاف للجميع، فذلك سؤال ستجيب عنه تطورات المرحلة المقبلة، وما إذا كانت الأطراف اليمنية والإقليمية ستنجح في كبح منطق التصعيد قبل أن يفرض وقائع جديدة على الأرض.