أن شقرة استيقظت هذا الصباح على صوت مختلف.
ليس صوت الأمواج فقط، ولا صوت قوارب الصيادين العائدة من عرض البحر...
بل صوت الحياة وهي تعود إلى مكان غاب عنه النبض لعقود.
خبر عاجل يتناقل الناس تفاصيله في كل بيت ومجلس ومقهى:
*"إعادة تشغيل مصنع تعليب الأسماك في شقرة."*
في البداية ظنه البعض إشاعة جميلة، من تلك الإشاعات التي يحب الناس تصديقها لأنها تمنحهم شيئاً من الأمل.
لكن الخبر كان حقيقياً هذه المرة.
يتجمع الناس أمام المصنع...
المصنع الذي عرفوه صامتاً وحزيناً، تحاصره الذكريات والغبار.
اليوم أبوابه مفتوحة.
الأعلام ترفرف.
والعمال يدخلون من جديد.
والآلات التي نامت سنوات طويلة تستعد لتتنفس مرة أخرى.
في زاوية المكان يقف رجل تجاوز الستين من عمره، كان شاباً يوم كان المصنع يعمل بكامل طاقته.
ينظر إلى البوابة طويلاً، ثم تلمع عيناه بالدموع.
لم يكن يبكي على مصنع..
كان يبكي على عمرٍ كامل عاد إليه فجأة.
وعلى بعد أمتار، يقف شاب في العشرينات يحمل أوراقه بين يديه.
لأول مرة يشعر أن مستقبله قد يكون هنا...
في مدينته... بين أهله...
وليس في مدينة بعيدة أو بلد غريب.
وفي البحر، يعود الصيادون بقواربهم مع غروب الشمس.
لكنهم هذه المرة لا يعودون مثقلين بالقلق.
ففي نهاية الرحلة هناك مصنع ينتظرهم.
وهناك عمل ينتظر أبناءهم.
وهناك مدينة بدأت تستعيد مكانتها.
شيئاً فشيئاً تتغير شقرة...
المحلات تزدحم.
الحركة التجارية تنشط.
الطرقات تمتلئ بالحياة.
وأصوات الشباب العاطلين عن العمل تتحول إلى أحاديث عن الرواتب والخطط والأحلام.
حتى البحر نفسه يبدو وكأنه أكثر فرحاً.
وكأن الأمواج التي ظلت تصطدم بالشاطئ لعشرات السنين كانت تردد الرسالة نفسها:
"ستعود شقرة يوماً..."
وفي ليلة هادئة، يقف أحد أبناء المدينة فوق التلة المطلة على البحر.
ينظر إلى أضواء المصنع المتوهجة في الظلام.
إلى الشاحنات التي تتحرك.
إلى الميناء الذي عاد إليه النشاط.
إلى المدينة التي استعادت روحها.
فيبتسم ويقول:
"لم يكن المصنع مجرد مبنى من الإسمنت والحديد... كان قلب شقرة. وعندما عاد القلب إلى النبض، عادت المدينة كلها إلى الحياة."
ثم يسكت قليلاً...
ويترك لعينيه أن تكملا ما عجزت الكلمات عن وصفه.
وفي نهاية هذا الحلم الجميل، تبقى رسالة مفتوحة لكل مسؤول ومستثمر ورجل أعمال، داخل اليمن وخارجها...
إذا كنتم تبحثون عن مشروع ينعش مدينة بأكملها، ويصنع مئات فرص العمل، ويعيد الحياة إلى قطاع اقتصادي مهم، فإن شقرة تناديكم.
مصنع تعليب الأسماك ليس مجرد مبنى مهجور ينتظر الترميم، بل حلم مؤجل لآلاف الأسر، وفرصة حقيقية للتنمية في أبين واليمن كلها.
فمن أراد أن يكتب له أثراً طيباً وحسنة جارية في هذه الأرض، فليلتفت إلى هذا الصرح العريق. سارعوا، تابعوا، تحركوا، وافتحوا الأبواب أمام المستثمرين والشركات والجهات الداعمة لإعادة تشغيل هذا المصنع الذي كان يوماً نبض شقرة وقلبها الاقتصادي.
لعل قراراً واحداً يوقظ حلماً نام طويلاً، ويعيد الأمل لشباب أنهكتهم البطالة، ويمنح مدينة كاملة فرصة جديدة للحياة.
فبعض المشاريع لا تبني مصانع فقط... بل تبني أوطاناً، وتصنع مستقبلاً، وتترك أثراً لا ينساه التاريخ.
*لعل الحلم الذي نكتبه اليوم بخيالنا، يقرأه غداً من يملك القرار فيحوله إلى حقيقة يعيشها أبناء شقرة وأبين واليمن بأكمله.*
من خيالي: أحمد العمودي.