بين الفوضى والمعنى، حين يصبح الجرح رؤية، حين يرفض العقل الطريق، حين تجد الروح ذاتها غريبة داخل ضجيج العالم، هناك تحديداً، على تخوم الجنون تتجسد العبقرية، وتولد العظمة .. تتشكل لغة من الانكسار، ويظهر مسٌّ من العبقرية، أو عبقرية من المسّ.
لا بوصفها تفوقًا في الذكاء أو امتيازًا في القدرات العقلية فحسب، بل باعتبارها خروجًا على انتظام العالم المألوف، وانحرافًا خَلّاقًا عن المسارات التي استقرت في وعي الجماعة وتكررت حتى غدت بديهية لا تُسائل.
فالعبقري ليس ذلك الذي يحسن السير في الطريق، بل ذلك الذي يشكّ في الطريق ذاته، ويتساءل: لماذا هذا الطريق؟ ومن الذي رسم حدوده؟ وهل كان بالإمكان أن يكون غيره؟ ومن هنا، فإن العبقرية لا تولد في قلب الطمأنينة، بل في مناطق الاضطراب الداخلي، حيث تتفكك المسلّمات، ويتصدّع اليقين، ويبدأ العقل في مواجهة العالم لا بوصفه نظامًا جاهزًا، بل بوصفه سؤالًا مفتوحًا.
لذلك يبدو العبقري، في نظر الآخرين، كائنًا غير مكتمل التكيّف، وكأن فيه مسًّا من جنون أو خَبَل؛ لا لأنه فقد توازنه العقلي، بل لأنه لم يرضَ أن يتصالح مع التوازنات السطحية التي يكتفي بها معظم الناس.
إنه يعيش في منطقة رمادية بين الفهم والدهشة، بين الإدراك والقلق، بين المعنى واللايقين.
غير أن ما يميز هذا الكائن الاستثنائي ليس فقط قدرته على التفكير المختلف، بل مصدر هذا الاختلاف ذاته.
وهنا تتقدم فكرة الألم لتحتل مركز التفسير الفلسفي للعبقرية، فالألم، بمعناه الوجودي العميق، ليس مجرد انفعال عابر أو تجربة حسية مؤلمة، بل هو لحظة انكشاف قاسية، يُجْبَر فيها الإنسان على رؤية العالم دون أقنعته المعتادة.
إنه اللحظة التي يفقد فيها الواقع طمأنينته الزائفة، ويبدأ في الظهور كحقل من الأسئلة المفتوحة.
في هذا المعنى، لا يكون الألم عائقًا أمام الإبداع، بل يكون أحيانًا شرطًا لولادته، فحين ينكسر انسجام الإنسان مع العالم، يبدأ البحث عن معنى جديد لهذا العالم.
وحين تضيق به المسلمات، يتسع داخله فضاء السؤال، ومن هذا التوتر العميق بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، تتشكل الشرارة الأولى للفكر الخلاق.
الألم هنا لا يدمّر فقط، بل يكشف ويُحرّك ويُجبر الوعي على تجاوز حدوده السابقة، لكن من الخطأ اختزال العبقرية في الألم وحده، وكأن المعاناة كافية لصناعة الإبداع.
فالألم قد يقود إلى الانطفاء كما قد يقود إلى التوهج، وقد يُغلِق الإنسان على ذاته كما قد يفتحها على آفاق أرحب.
إن العبقرية لا تنبع من الألم بوصفه حدثًا، بل من القدرة على تحويل هذا الحدث إلى معنى، ومن القدرة على إعادة تشكيل التجربة القاسية في صورة فكرة، أو رؤية، أو عمل يتجاوز حدود الفرد إلى فضاء الإنسان العام.
وهكذا يمكن القول إن العبقرية ليست مجرد موهبة ذهنية، بل هي قدرة على تحويل الاضطراب إلى نظام جديد، والجرح إلى رؤية، والانكسار إلى لغة.
إنها نوع من الكيمياء الداخلية التي تمزج بين الحساسية المفرطة تجاه الوجود وبين الصبر الطويل على إعادة بناء هذا الوجود في صورة مختلفة.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم الطابع الذي يُلاحَظ على العباقرة، ذلك الطابع الذي يجعلهم في كثير من الأحيان يظهرون للناس وكأنهم يعيشون على تخوم الجنون.
فالعبقري، حين ينغمس في عالمه الداخلي، يبدو منفصلًا عن الإيقاع الاجتماعي العام، غير مكترث بتفاصيل الحياة اليومية التي تشغل الآخرين، لأنه مشغول بسؤال أعمق: كيف يمكن إعادة تعريف هذه الحياة من الأساس؟ هذا الانفصال الظاهري هو ما يفسره الناس كغرابة أو اختلال، بينما هو في جوهره شكل من أشكال التركيز الشديد والانشغال الكلي بفكرة تتجاوز المألوف.
إن العبقرية، بهذا المعنى، ليست استقرارًا في حالة من الفهم، بل حركة دائمة على حافة الفهم ذاته، هي توتر مستمر بين العقل والعالم، بين الداخل والخارج، بين الألم والرؤية.
ولذلك لا يمكن الإمساك بها كصفة ثابتة، بل تُفهم كمسار وجودي يتشكل عبر الصراع، ويتغذى على الأسئلة، ويعيد إنتاج العالم كلما بدا أن العالم قد استقر.
وفي نهاية هذا التأمل، يمكن القول إن العبقرية ليست نقيض الجنون، بل هي الجوار القريب منه؛ ليست نفيًا للفوضى، بل إعادة تشكيل لها في صورة معنى.
وإن ما يبدو مسَّاً من جنون أو خَبَل في ظاهر العبقري، قد لا يكون في جوهره إلا محاولة قصوى للعقل كي يتجاوز حدوده، ويطلّ على العالم من زاوية لم تُرسم بعد.
محمد خالد الحسيني