غسان بن جوبح الكندي
في زمن تتلاطم فيه الأمواج على سواحل الجنوب العربي، وتتشابك فيه المصالح وتتعقد الملفات، تبرز شخصيات استثنائية تجمع بين نضال الميدان ورؤية السياسة، بين صلابة العسكري وحنكة القائد. وفي قلب هذا المشهد، يقف المقدم الركن فهمي الصهيبي كواحد من أولئك الرجال الذين حملوا هموم وطنهم على عاتقهم، فكانوا بحجم الأحداث التي عاصروها، بل بحجم الوطن الذي ضحوا من أجله.
من الميدان إلى السياسة.. مسيرة نضال متصلة
لم تكن حياة الصهيبي مجرد مسار وظيفي تقليدي، بل سيرة نضال حافلة امتدت من ميادين الثورة السلمية إلى جبهات القتال، لتعود مرة أخرى إلى العمل السياسي والأمني، في نموذج نادر للقيادي الذي يجمع بين تجارب متعددة .
في مرحلة الحراك الجنوبي السلمي، كان الصهيبي صوتاً حاضراً وقائداً بارزاً في مجلس الحراك الثوري لتحرير واستقلال الجنوب، حيث رأى في ذكرى 30 نوفمبر محطة تأسيسية "لاستنباط القيم التي قامت من أجلها ثورة أكتوبر"، معتبراً أن الاستقلال في 1967م كان تتويجاً لتضحيات أبناء الجنوب، وأن دولة الجنوب السابقة بنت جيشاً ومؤسسات ومدارس، قبل أن تأتي "الوحدة المشؤومة" وحرب 1994 لتطمس تلك المنجزات .
هذا التراكم النضالي جعله يدرك أن الكلمة وحدها لا تكفي، وأن الدماء الزكية هي التي ترسم حدود الحرية.
في خندق المقاومة.. مواقف لا تُنسى
مع اندلاع الحرب في عدن عام 2015، تحول الصهيبي من ناشط سياسي إلى مقاتل في صفوف المقاومة الجنوبية. كان حاضراً في جبهة الممدارة بعدن، حيث ظهرت صوره وهو يتحدث عن المعارك، مشيداً بالدعم العسكري السعودي للمقاومين عبر الإنزال الجوي، واصفاً إياه بأنه رفع "معنويات المقاتلين" في أصعب لحظات المواجهة .
هذا التحول لم يكن مجرد تغير في الدور، بل تجسيداً للقناعة الراسخة بأن تحرير الأرض يستوجب التضحية بالروح قبل الكلمة، وأن النصر لا يمنح للضعفاء أو المترددين.
المهمة الأصعب.. بناء الدولة والمؤسسات
بعد سنوات القتال، عاد الصهيبي ليمارس دوره السياسي والأمني، ليدرك أن المعركة الأصعب هي معركة البناء. فتولى رئاسة مجلس المستقبل الجنوبي في العاصمة عدن، وهي مهمة وضعته على خط مواجهة التحديات التنموية والخدمية التي تعاني منها المحافظات الجنوبية .
في هذا الإطار، انخرط في لقاءات مكثفة مع الشخصيات الاجتماعية والقبلية، مؤكداً على أن استقرار الجنوب يمر عبر "تعزيز جسور التواصل مع الشخصيات الاجتماعية والقبلية والقيادات المجتمعية بما يسهم في خدمة القضايا الوطنية والتنموية" .
العلاقة الأخوية.. لقاء المكلا نموذجاً
في أحد أيام مدينة المكلا، تجمع النضال والوفاء في لقاء جمع المقدم الركن فهمي الصهيبي بالمستشار القانوني غسان بن جوبح الكندي، في مشهد يعكس روح التلاحم الجنوبي. هذا اللقاء لم يكن مجرد زيارة عابرة، بل حمل دلالات سياسية واجتماعية عميقة، جسدت وحدة الصف وتلاحم النخب الجنوبية حول مشروع وطني واحد .
وصف المتابعون هذا اللقاء بأنه "اجتماع مبارك يجمع بين الوفاء والأصالة"، مؤكدين أن مثل هذه اللقاءات التشاورية "تبعث الفخر" وتعكس حكمة القيادات الجنوبية في مد جسور التواصل مع جميع المكونات .
رؤية واضحة للقضايا المصيرية
تميز الصهيبي بمواقف سياسية حازمة تجاه القضايا الإقليمية والدولية، حيث حيّا في 2014 قرار المملكة العربية السعودية بتصنيف جماعة الإخوان والحوثيين وتنظيم القاعدة مجموعات إرهابية، واعتبره "في الاتجاه الصحيح" . كما شدد باستمرار على ضرورة وحدة الصف الجنوبي والحوار الجنوبي كطريق وحيد للاستقرار والبناء، وهي دعوة تظل راسخة في خطابه السياسي حتى اليوم .
الخلاصة
في شخصية المقدم الركن فهمي الصهيبي، يتجسد نموذج القائد الجنوبي الذي جمع في مسيرته بين النضال السلمي والكفاح المسلح والعمل السياسي. إنه الرجل الذي أدرك أن الوطن لا يُبنى بالخطب فقط، ولا يُحمى بالشعارات وحدها، بل بالجمع بين صلابة الميدان ورؤية السياسة، وحكمة الشيخ وروح المناضل.
فهمي الصهيبي بحق شخصية بحجم وطن، ومسيرته الممتدة من ميادين الثورة إلى قاعات السياسة، ومن جبهات القتال إلى مجالس التشاور، تبقى شاهداً على أن الجنوب يزخر برجاله الأفذاذ الذين يحملون على عاتقهم أمانة بناء دولة المستقبل.