آخر تحديث :الأربعاء-24 يونيو 2026-09:46م

أبــو الوعــــول.. صوت المهاجرين الحضارم

الأربعاء - 24 يونيو 2026 - الساعة 05:15 م
محمد أحمد بالفخر


لم يكن الكتاب الحضرمي يوماً عملةً نادرةً ولا الكتّاب الحضارم فئةً قليلةً، فالمكتبة الحضرمية ثرية قديماً وحديثاً فيها كتب الفقه والسياسة والتاريخ والأنساب والفِكر والعلم بكل فروعه.

منذ فترة طويلة وأنا أطّلع على كتبٍ صاغتها عقول حضرمية فوجدت علماً غزيراً وإبداعات لا تقلُ عن إبداعات من اشتهروا في الوطن العربي غير أن الداء اليمني بدأ لي ليس حِكراً على جهة بعينها من اليمن، بل هو داءٌ ضرب اليمن كله ولعله أهمُّ سببٍ في غمط حق كثيرٍ من الأعلام والنجوم اليمنية.

وقد تطرّق الإمام الشوكاني رحمه الله في كتابه البدر الطالع لبعض هذه الأسباب، منها أنّ اليمنيين هم أول من ينقص عِلمَ إخوانهم ويرغبون عنه، وأيضاً التعصب بكل أشكاله أحد أسباب توارث الإعراض بل والانتقاص من العقول اليمنية وما تنتجه.

المكتبة اليمنية ثرية وغنية بالجواهر العلمية والفكرية والفقهية تحتاج فقط من يعطيها من وقته وبحثه وسيجد ما يسر الخاطر ويثلج الصدر ويشفي الغليل.

حالياً لن أتكلم عن أمهات كتب ولا عن مخطوطات أعتقد يجب على كلِّ دارس أو مثقف أو باحث أن يزيّن مكتبته ولو بشيءٍ منها، ولكنني سأكتب اليوم عن كتاب خفيف لطيف أهداني إياه مؤلفه د. علي سالمين بادعام قبل أشهر وقد حضرت حفل التوقيع للكتاب في إحدى ليالي معرض الرياض للكتاب وقد شّرفني بإهدائه الجميل الذي كتبه "إلى الأستاذ محمد بالفخر الكاتب والإعلامي صاحب القلم الحضرمي. أهديك هذا المنجز وأنت خيرُ من يمثّل الحضارم".

ولهذا كان من الواجب أن أشير اليه كعملٍ كُتِبَ بحب إذا جاز لي استخدام هذه العبارة، الكتاب مكتوبٌ بلغةٍ سهلة وأفكار مختصرة ويسيرة، يخاطبك كحضرمي له امتداده التاريخي والجغرافي، يخاطبك كمسؤول عن حضرميتك وواجبك نحوها، وسأمُرُّ بكم سريعاً على بعض فقراته الملهمة.

ففي المقدمة يخاطب القراء المنصفين بقوله: الكتاب رؤية وجدانية وتأملية، كُتِبَت من قلب التجربة وذاكرة الهجرة، وما نسعى إليه ليس تمجيد الماضي بل استعادة معناه وربطه بالامتداد، فالغاية أن نستعيد ما نُسي من أنفسنا، لا أن ندافع عمّا مضى، بل أن نذكّر بما يبقى، هذا الكتاب ليس صوتاً ضد أحد، بل صوتٌ لمن نسوا أنفسهم في زحمة المهجر.

وقال: هذا الكتاب لم يُكتب للزهو بالأصل، بل ليجيب عن سؤال ظلّ يلاحقني كلما نظرت في وجوه إخوتي: إلى أين تمتد جذورنا؟ ولماذا لا يعرف كثيرٌ منّا ما تعنيه حضرموت؟

فكتبت هذا الكتاب لأربط البداية بالنهاية ولأجعل من (الوعول) اسماً لا يخص سلالة واحدة بل رمزاً لكل مهاجرٍ حضرمي يبحث عن اسمه بين الدول و(الوعول) هنا ليست استعارةً بيولوجية، بل استعارة حضارية لمن قاوم النسيان وحمل روحه الحضرمية رغم البعد، لمن لم تكسره المسافات ولا ذابت هويته في الزحام.

وقال: هذا الكتاب ليس سرداً عاطفياً عابراً، بل انموذج يُحتذى، يكشفُ من التفاصيل ما ظلّ ساكناً في الصدور، الهوية، الاسم، الانتماء، الرسالة، في هذا العمل أحاول أن أكون (أباً للوعول) تلك الأرواح الحضرمية التي فرقها الزمان، لكنها لا تزال تبحث عن صوتٍ يقول لها: أنت من هناك من جبالٍ لا تتصدع، ومن أصلٍ لا ينسلخ، أنت من حضرموت.

حضرموت التي نعرفها صانعة التاريخ والهوية التي تجاوزت الحدود. موطن الحكمة ومهد الرسالات، أرض الممالك القديمة، وبلاد الأنبياء والصالحين، تحملُ في جبالها صدى الملوك وفي وديانها آثار الحضارات العريقة، وفي أهلها صفاء السريرة وثبات الجذور.

ويخاطب الأبناء بالمفردة الحضرمية التي تقال للأبناء الصغار (يا عويلَة) تلك الجذور التي نبتت في تراب حضرموت لم تكن مجرّد بداية، بل تأسيسٌ لما أنتم عليه، أنتم سلالة أرضٍ أنجبت العرب، ومهدَ أمةٍ حملت الرسالة فتذكّروا أنّ من يجهل منبته يتعب في طريقه.

وتوقف الكاتب عند التحوّل في الشخصية والسلوك، فقال: مع تعاليم الإسلام تعلّم الفرد الحضرمي المسؤولية ليس عن نفسه فحسب بل عن بيئته ومجتمعه، فتشكّلت منظومة تقوم على الإتقان والنية الصادقة فغدت الأخلاق أساس التعامل، والعمل ميزاناً للمكانة لا النسب أو الانتماء القبلي.

الكتاب رائع بكل ما تحمله الكلمة من معنى وقدّم رسالة للأجيال لعلهم يدركون، ويكفيني ما تطرقت إليه حتى يظل الشوق لمن أراد أن يطّلع عليه، وإلى الملتقى